الذي فقد في المعركة أباه ، وإخوته ، وأعمامه يقيد بالأغلال ويطوف به
في شوارع الكوفة التعسة . . ؟ ؟
ألا فلنحطم مقاييسنا الجاهلية الضريرة ، إذا أردنا أن نبصر جوهر
الأشياء . .
وإذا لم يكن بد لأقدامنا أن تبقى على الأرض ، فلترتفع عنها عقولنا
ورؤانا ، إذا أردنا أن نتعرف إلى حكمة السماء . . !
وإذا كانت وحشية المجرمين سترينا في كربلاء وجه الفاجعة التي
تذيب الصخر ، وتصهر الحديد . . فإن شرف التضحية وجلال الحق
سيرياننا فيها روعة المهرجان ، ومجد العيد . . ! !
* * *
ونختتم حصاد كربلاء ودروسها بمثوبة التضحية . . فتعلمنا دروسها
العظيمة أن التضحية مثوبة نفسها ، وأنها ما دامت في سبيل الحق ، فإن
انتظار الأجر عليها جهل ( بقيمتها ) إلا أن يكون هذا الأجر رضا الله ،
ورضوانه ، وجنانه . .
وليس معنى كون التضحية مثوبة نفسها أنها تحرم أبطالها من
مزاياها وعطاياها . . وإنما معناه أنها ترتفع بتلك المزايا والعطايا إلى مستوى
من القداسة ، والقدوة ، والخلود ، يزري بكل مغانم الدنيا العاجلة وأمجادها
الزائلة ! !
إن مظاهر الرقي البشرى كثيرة . ولكن شرف الإنسان وجدارته
بالحياة لا يزالان ، وسيظلان منوطين بقدرته على التضحية النبيلة والجليلة
من أجل الحق .
واللوحة التي رسمتها تضحيات ( الحسين ) وأهله وصحبه بوأت هذا
الشرف وتلك الجدارة أعلى المنازل والذرى . .
أبناء الرسول في كربلاء — صفحة 154
مساهمون: خالد محمد خالد
ص١٥٤