ولد صاحب الترجمة - رحمه اللّه - بالقصر الكبير يوم الأحد تاسع عشر محرم عام اثنين وسبعين وتسعمائة ، ومات والده وهو في سن الفطام أو أزيد قليلا ، وربي في حجر أخيه أبي المحاسن ، وكان هو وولد أخيه المذكور ؛ وهو : أبو العباس أحمد رضيعي لبان ، وقريبي سن ومكان ، ودخلا المكتب معا ، وقرءا القرآن وما يتعلق برسمه وضبطه وأدائه من الأراجيز ، وما يتبع ذلك مما جرت العادة به من كتب النحو والفقه . . وغيرهما .
ثم بعثهما أبو المحاسن لحضرة فاس ؛ بقصد قراءة العلم بها سنة ست وثمانين ، وكان إذ ذاك العلماء متوافرين بها ؛ كأبي زكرياء يحيى السراج ، وأبي محمد عبد الواحد الحميدي ، وأبي العباس المنجور ، وأبي العباس القدومي . . . وغيرهم ، فلازماهم ، وأخذا عنهم علوما جمة من الفنون المختلفة ، وأخذ صاحب الترجمة عن جماعة آخرين ؛ كالقصار وغيره ، ولازمه ملازمة كبيرة ، وقرأ عليه عدة من المصنفات ، وأجازه إجازة عامة ، وكان القصار ينوه به ويشهد له ، ويحيل في كثير من المسائل عليه ، وانتفع صاحب الترجمة به كثيرا ، وتضلع بالعلوم ، ودرس في أنواعها وأفاد ، وصنف وقيد ونفع العباد .
ولازم أخاه أبا المحاسن سنين كثيرة ، واقتصر - بعد تضلعه من العلوم - على الأخذ عنه ، والحضور لمجلسه ، والسلوك على يديه ؛ فأخذ عنه كثيرا من التفسير والحديث والتصوف . . . وغير ذلك ، وفتح له على يديه ، فطلع له فجر الحقيقة طلوع الفجر المبين ، وتحقق بمقامات اليقين ، وتفجرت ينابيع المعرفة من قلبه على لسانه بفجر الماء المعين ، وعطل أكثر علومه بعد التبريز فيها ، واشتغل بعلوم الصوفية يستوفيها ؛ فتكلم فيها بالذوق والوجدان أحسن كلام ، وقام بشرح ما أشكل من الكتاب والسنة أحسن قيام ؛ فرجع إليه في ذلك العام [ 303 ] والخاص ، وظهر به في التصوف مقام الاختصاص .
وقد قال فيه ولد أخيه في " المرآة " عندما عرف به فيها : « كان إماما عالما متبحرا نظارا ، جامعا لأدوات الاجتهاد ، مائلا إليه ، محققا في جميع العلوم ، عارفا بالنحو واللغة والفقه ، والأصول والكلام ، والمنطق والبيان . . . وغير ذلك ، إماما في جميع ذلك ، متوسعا في الأصلين ، لا يدرك فيها شأوه ، جيد الفهم ، مصيب السهم ، شهد له بذلك شيوخه ، واعترف له به أهل عصره . وأما مقاري القرآن والحديث والتصوف المؤيد بالكتاب والسنة ؛ فلا يجارى في شيء من ذلك ؛ يورده استحضارا ، مستحضرا لحديث الصحيحين وأكثر مشارق القاضي عياض ، وما عورض به بين الآيات والأحاديث ، وما قيل في ذلك ، وما أجيب به . . ويصحح ويرجح ، ويضعف ويزيف . متين الدين ، صلبا في الحق ، قوالا به ، حسن الأخلاق ، كريم النفس ، عالي الهمة ، ممتّع المجالسة ، طيب المؤانسة ، حسن العبارة ، سهل التعليم ، زاهدا في الدنيا ، لم يتعاط قط أسبابها ولا رغب فيها ، وإنما كان يتعاطى القيام لما بيده منها غيره ، ثم مضى ذلك ولم يتأثر به . ميسر الرزق غير مهتم به ، متوكلا على اللّه ، حسن اللباس ، لا يرى عليه أثر فاقة ولا حاجة ، ظاهر الغنى ، غنيا باللّه تعالى » . ه .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 342
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٤٢