ولقد صدّق اللّه خبره فيه ؛ فقد كان - رضي اللّه عنه - صاحب أحوال ربانية ، ومواجد عرفانية ، واقفا عند حده ، جاريا على طريقة أبيه وجده ، لابسا أثواب الخمول ، طالعا في سماء الوصول ، ملازما لداره لا يخرج إلا للزاوية ، وشهود مشاهد المسلمين الحاجية ، يحب السماع ، ويتأثر طبعه بالطبوع في الانطباع ، عظيم الصمت ؛ لا يتكلم إلا فيما فيه فائدة دينية أو دنيوية ، ولا يحب اللغو في الأقوال ، ولا اللهو في الأفعال ، مهابا معظما عند سائر الناس ، ولا يركن إلا إلى السفليات ، ولا يحب العلويات ، ويجنح إلى الخراب وإلى أهل المسكنة والضعف .
وله كلام عجيب في الطريق ، وإشارات لطيفة مذكورة في كتابه وكذا في كتب أصحابه وأصحابهم ؛ منها : قوله : « إياك أن تغفل عن التشريف والتعظيم لمن ظهر لك بعض الفتح على يده ؛ لأن في التشريف والتعظيم للحرمة مفتاحا عظيما لزيادة الإمدادات والخيرات والأسرار والأنوار ، لا تغفل عن هذا الباب ؛ لا بد وإياك ! » ، ومنها : « ما بلغنا الوصال ، إلا بحدّ النصال » ، ومنها : « لا تكن عاشقا لأحد ، لا تكن إلا معشوقا ، وإن لم تجد بدا ؛ لا تعشق إلا من يعشقك » . ومنها : « لا تطعم طعام حكمتك إلا لمن تجده في غاية الاحتياج إليه ، وإلا ؛ فدسه ولازم الجحود ، قال تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ .
[ التوبة : 60 ] » .
أخذ - رحمه اللّه - عن والده أبي العباس ؛ وعليه اعتمد وبه تربى ، وأخذ - أيضا - عن الشيخ سيدي أحمد اليمني . ذكر ذلك تلميذه سيدي علي الجمل في مواضع من كتابه ، وذكر الشيخ أبو العباس ابن عجيبة في فهرسته أنه : أخذ عنه الطريقة الجيلانية ، وعن أبيه الشاذلية . قال : « وفيه التقى البحران : بحر الشاذلي ، وبحر الجيلاني » . ه .
وكان له - رحمه اللّه - أتباع ، وتلامذة صالحون وأشياع ؛ منهم : ولده الصالح أبو محمد عبد اللّه ، والمحمدان : أبو عبد اللّه آمزّاج ، وأبو عبد اللّه البوعصامي ، والشيخ الصالح أبو عبد اللّه محمد بن يونس الشريف السريفي ثم الفاسي ، والعارف باللّه أبو الحسن سيدي علي الجمل ؛ وهو من أجل تلامذته وأصحابه ؛ صحبه نحوا من ستة عشر سنة ، وسمع منه ورأى من الأسرار والمعارف [ 297 ] ، والحكم واللطائف ما لا يكاد ينحصر . قال سيدي علي هذا : « سمعته يقول : قال بعض العارفين : لو أتاني عربي بدوي يبول على ساقيه ؛ لوصلته إلى اللّه من حينه ، وأنا أقول : لو أتاني يهودي أو نصراني ؛ لوصلته إلى اللّه من حينه . قال : سمعت هذا منه في حال عظيم ورد عليه » .
وممن لقيه بفاس وتبرك به : الشيخ أبو العباس سيدي أحمد التجاني - رضي اللّه عنه - ذكر ذلك في " جواهر المعاني " ، والشيخ أبو عبد اللّه سيدي محمد التاودي ابن سودة المري ؛ وقد أورده في فهرسته فيمن لقي من صلحاء فاس قائلا ما نصه : « ومنهم : الشيخ المهاب ، اللائح عليه آثار