وكان يحركه السماع ، وينهض قائما يتواجد من غير رقص ، ولكن يقف ويقرب من أهل السماع ، وكان شديد الحزم في الدين ، واتباع السنة ، رفيع الهمة جدا ، منقطعا عن الدنيا وأهلها ، في غاية من الزهد والورع ، وقلة ذات اليد ، يأكل من عمل يده ، ويتسبب في حانوته ، ولا يقبل من أحد شيئا ولو من أصحابه ، ما عدى سيدي أحمد ابن عبد اللّه . وكان محبا لآل البيت ، معظما لهم جدا .
وله كرامات كثيرة ، ومكاشفات غزيرة ، وتصرفات كبيرة ، ذكر بعضها في " المقصد " وغيره ، ورأى الخضر - عليه السلام - وأخبر به ، وكانت له مع ذلك ملامات وشطحات ينكر ظاهرها من لم يعرف حقيقتها ولم يشاركه في حاله .
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ .
[ العنكبوت : 43 ] .
ومن شطحاته وكراماته : ما حدثوا عنه أنه كان يوما جالسا بحانوته يخرز وهو مطأطئ الرأس على عادته ، فنزل مطر عظيم ، فانتظر الناس انقطاعه في الوقت ؛ فاسترسل [ 283 ] ؛ فرفع أبو الفضل رأسه للسماء قائما وقال بقلق : « ما يكفانا شيء من هذا الشتا « 1 » ! » ، بحالة من يخاطب قرينه ، فانحبس المطر في الحين كأن لم يكن ، فرجع إلى حسه مستغفرا مما صدر منه - رضي اللّه عنه ونفعنا به .
وأحواله ومقاماته كثيرة ، وكراماته عظيمة شهيرة ، ويكفي في سمو قدره وعلو فخره تخرّج سيدي أحمد ابن عبد اللّه به ، وتربيته وتهذيبه به .
قال في " المقصد " : « وقد شرعت لهذا العهد في تأليف مستقل في أخباره ؛ من كرامات وغيرها ، نويت تسميته عند إتمامه " بالزهر الباسم في أخبار الشيخ سيدي قاسم " ، يسر اللّه في إكماله بمنه وأفضاله » . ه . ولم تساعده بإكماله الأقدار ، ولا سمح له بإتمامه الزمان والقرار ، فانتدب حفيده العلامة أبو عبد اللّه سيدي محمد بن الطيب القادري لذكر مآثره وأحواله في مؤلف في سفر وسط ؛ سماه " بالزهر الباسم " ، أو " العرف الناسم ، في مناقب الشيخ سيدي قاسم ، ومآثر من له من الأشياخ والأتباع أهل المكارم " ، ولخص القول فيه في ثمانية أبواب ؛ فليطالعه من أراده .
توفي - رحمه اللّه ورضي عنه - في وسط ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وثمانين وألف عن نحو اثنين وثمانين سنة ، ودفن بروضة أشياخه أعلى مطرح الجنة ، إزاء قبة الشيخ سيدي محمد بن عبد اللّه ، وراءه ، وبني عليه بيت ؛ بناه تلميذه سيدي أحمد ابن عبد اللّه ، وقبره به معروف إلى الآن ، عليه دربوز يزار ويتبرك به . ترجمه في " المقصد " ، وفي " الإلماع ببعض من لم يذكر في ممتع الأسماع " ، و " الصفوة " ، و " الروض " ، و " النشر " ، و " التقاط الدرر " . . . وغير ذلك .
هامش
( 1 ) أي : يكفينا من هذا المطر .