تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ولد - رحمه اللّه - في حدود واحد - أو اثنين - وألف ، وربي يتيما في حجر أمه ، لأن والده توفي وتركه في بطن أمه ، فربي كذلك إلى أن شب وبلغ الحلم ، فكانت له صبوة وخلطة مع أتراب له من أهل حومته وغيرهم ، كان هو يذكرها ويذكر ما صدر عنه من الأفاعيل بسببها ، يعرف الناس بذلك فضل اللّه وإحسانه . ثم هبت عليه عواطف التوبة ؛ فألجأته إلى ضريح الشيخ أبي المحاسن الفاسي من غير قصد له به ، إذ كان لا يعرفه ولا يعرف اسمه ، فناداه : « يا صاحب هذا القبر ؛ إن كنت وليا للّه حقا ، فنطلب منك أن يجمعني اللّه بشيخ نخدمه للّه لا يخدمه معي أحد غيري » . فجمعه اللّه بعد ذلك بشيخه الأول ؛ وهو : سيدي مبارك بن عبابو الكوش ؛ دفين خارج باب الجيسة . فصحبه مدة إلى وفاته ، ثم صحب بعده العارف الفاسي [ 282 ] ، ولازمه ، وسلب له الإرادة ، وفتح له على يديه الفتح العظيم ، وبقي في صحبته نحوا من عشر سنين ، وكان يقول له : « أنت لي ولست لأحد غيري » ، يشير - واللّه أعلم - بذلك أن فتحه كان على يده دون غيره ، وكان يقول له أيضا : « أنت غريب ؛ ليس لك أخ » . يشير - واللّه أعلم - إلى أنه : غريب في طريقه وعرفانه وتحقيقه . ثم بعد وفاته ؛ صحب خليفته ووارثه سيدي محمد بن عبد اللّه معن الأندلسي ، وبقي في صحبته ستة وعشرين سنة . وهؤلاء الثلاثة الأشياخ هم عمدته وإليهم سلب الإرادة ؛ كما ذكره هو عن نفسه واحدا بعد واحد . وكان يقول : إنه لقي ستة وعشرين شيخا ، أو نحوهم ، وهو - رضي اللّه عنه - الوارث لشيخه الأخير ؛ وهو : سيدي محمد بن عبد اللّه ، أخبر بذلك تلميذه وولد شيخه المذكور : سيدي أحمد ابن عبد اللّه . وفي " المقصد " : « إنه جلس يوما أصحاب سيدي محمد بعد موته يتحدثون متحيرين ؛ كيف السبيل إلى معرفة وارثه ؟ ! ، وسيدي قاسم معهم . فقال لهم : ها هو السبع في وسطكم ولكن أين من يستخرجه ويتفطن له ؟ ! » . وكان - رحمه اللّه - من أهل العناية الربانية ، والأحوال النورانية ، والغيبة في التوحيد ، والاستغراق في بحر التحقيق ، قوي الحال ، فائض النور ، فياض المدد ، تغلب عليه الغيبة وتعتاده زيادتها في نحو خمسة أيام من كل شهر ، فلا يعرف فيها الأرض من السماء ، ولا يأكل ولا يشرب ، إلا أنه يسأل عن أوقات الصلاة في كل ساعة ، وقد يسأل عن صلاة نهارية بالليل . وكان إذا وقع له ذلك ؛ لا يخرج من داره . وكانت طريقته : المحبوبية والفناء في التوحيد . لا يشير في كلامه إلا إليهما ، ولا يعرج إلا عليهما ، وينهض بالناس إلى اللّه من طريقهما ، ولا يلوي على طريق الخوف ولا يشير إليه ، ولا يحب من يقف مع الخوف وشهود مساويه ؛ مخافة أن يقصر به ذلك عن النهوض إلى اللّه .