تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
نشأ صاحب الترجمة - رحمه اللّه - منهم بفاس في عفة وصيانة ، ووقار وديانة ، وحفظ القراءات بها ، ثم خرج مع أبيه لتطوان في الغلاء الذي كان في حدود الخمسين ومائة وألف ، ثم خرج منها - بعد وفاة أبيه - بها إلى الجبال الغمارية ، للملازمة عندهم بالشرط في بعض المداشر لإقراء الصبيان والائتمام بالمسجد ، وبقي هناك يتردد بين القبائل لذلك . ثم رجع إلى فاس ؛ فكان يؤم بمسجد عقيبة السحتر ، عدوة فاس القرويين ، الذي فيه الولي الشهير سيدي أبو عبد اللّه المكي - نفع اللّه به - وهنالك أشرقت أنواره ، وافتضحت [ 229 ] أسراره ؛ فصار يصوم النهار ويقوم الليل ، مستغرقا جميع أوقاته في الصلاة وتلاوة القرآن . ولما غلبته الأحوال ، وصار لا ينضبط في الأقوال والأفعال ؛ اتخذ بيتا في المدرسة العطارية لسكناه ؛ وهو البيت الأول يمنة الصاعد في درجها ، القائم على الساباط الممرور تحته لسماط الشهود ، فتجرد فيه للعبادة ؛ صياما وصلاة وتلاوة . . . حتى كان يختم في اليوم نحو ست ختمات وما يزيد عليها من كتاب اللّه عزّ وجل . وفي حدود الثمانين ومائة وألف أضر في عينيه معا ؛ فصار لا يبصر شيئا ، وهو - مع ذلك - في غاية القيام على العبادة ، مع الزهد التام ، والورع العام ، لا يأخذ شيئا من أيدي ذوي الشبه . كان بعض أقاربه ناظرا على أوقاف القرويين ؛ فكان يأتيه في بعض الأحيان بشيء من الطعام ، فإذا عرفه بباب البيت ؛ لا يفتح له أبدا ، مع المبالغة منه في الرغبة له عساه أن يفتح له الباب ، فلا يفتحه . وأكثر ما يأكله : بعض الفواكه في أوقاتها ، وإلا ؛ فالخبز واللبن ، ويجتنب البطيخ وكل ما فيه إدام من سمن وزيت وغيرهما . بقي على ذلك مدة من عشرة أعوام ، ثم غلب عليه الجذب ، وصار تصدر منه أقوال وأفعال ينكر ظاهرها الشرع ، ويتلون بأمور لا تنضبط ، ويأخذ ممن يرضى حاله ومن لا ، والناس معترفون مع ذلك بولايته ، مستصبحون من سراج عنايته ، يأتونه أفواجا للزيارة والتبرك به ؛ فيعودون عنه بما أملوه . وكان آية عظمى في قضاء الحوائج لمن قصده أو توسل به ، وهو - مع ذلك - بريء من الدعوى ، لا ينسب لنفسه شيئا لا في السر ولا في النجوى ، إلا إذا استغضب - وهو الغالب - أو انبسط - وهو نادر - فإنه كان يصرح لنفسه بمقام عال في الولاية . وسئل مرة : في أي مقام أنت بين الأولياء ، ومن شيخك ؟ . فقال : « جعلوني خليفة عبد الواحد الزنبور » ، وهو : الشيخ المجذوب ، دفين عقيبة الفيران من عدوة فاس القرويين .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 259 | محمد بن جعفر الكتاني / عبدالله كامل بن محمدطيب