ألبتّة ، فلمّا صلح أمر النقيب جلال الدين مع الوزير ، خاف ابن الخشكري خوفا شديدا ، ولم يجد من يجيره من النقيب ، فدخل عليه ذات يوم متلثّما ، فسفر عن لثامه ولم يكن النقيب رآه قبل ذلك ، ولم يكن يعرفه بوجهه ، فأنشده قصيدته التي أوّلها :
سعود تدوم بشرب المدام * ببنت الكروم مع ابن الكرام
حسون بطأس وكأس وجام * غدونا بنون وخاء ولام
فلمّا أتمّ القصيدة ، قال له النقيب - وكان قد سمع شعره قبل ذلك - : انّي لأسمع نفس مزيد ، قال : إذا فهو ، ففكّر النقيب ساعة ، وكان قد كتب إليه الخليفة الناصر لدين اللّه ضراعة بإرسال عشرة آلاف دينار ذهبا في عشرة أكياس ، فأمر باخلاء كيس منها ودفع ما فيها إلى مزيد الخشكري ، وجعل القصيدة في الكيس وختم عليها ، فلمّا نظر الخليفة إلى قوله ضحك ، وأمر باجزائها « 1 » له ، وطلب مزيد الخشكري وأمر له بجائزة أخرى ، ومدح مزيد الخليفة ، وصار مزيد من شعراء الخليفة ، والأصل في ترتيبه قوله « فكأنّما الهور الطفوف » الأبيات ، وكان الخليفة الناصر كثيرا ما ينشد هذا البيت ويضحك « 2 » .
وأعقب النقيب جلال الدين قاسم من رجلين : زكي الدين حسن ، وفخر الدين حسين .
فأمّا زكي الدين حسن بن القاسم ، فانّه أولد السيّد الجليل الفاضل الشاعر الناثر رضي الدين محمّد ، مات دارجا ، وانقرض بموته والده .
وأمّا فخر الدين حسين بن القاسم ، فكان أديبا فاضلا شاعرا لبيبا ، وعقبه من ابنه أبي جعفر جلال الدين قاسم ، وكان من أجلّاء بني معيّة في زمانه ، وله شعر
هامش
( 1 ) في العمدة : باجرائها .
( 2 ) عمدة الطالب ص 166 - 168 .