رأيت صنيعي بك ، وإنّني لم أدّخر عنك شيئا ، فقال : يا أمير المؤمنين واللّه ما أردت بها سوء ، وإنّها أبيات خطرت لي ، فان رأيت أن تحمل ما كان منّي فلتفعل ، فقال : قد فعلت .
وذكر الصولي في كتاب الأوراق أنّ هذين البيتين أنشدهما عبد اللّه في غير هذا الوجه ، فقال : لمّا قدم عبد اللّه على أبي العبّاس أخذ بيده ، وجعل يمرّ به على قصوره وأبنيته التي بناها بالهاشميّة ، وكان معجبا بها ، فأنشد هذين البيتين ، فغضب أبو العبّاس السفّاح واحمرّت عيناه ، وجذب يده من يده ، وقال : ما أردت بها ؟ قال : واللّه ما أردت إلّا أن أزهدك فيها ، فقال السفّاح :
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
فقال : اغفرها لي ، فقال السفّاح : لا غفر اللّه لي إن غفرتها لك أبدا . وفي رواية أخرى قال له عبد اللّه : أقلني ، قال : لا أقالني اللّه ان أقلتك أو بتّ في عسكري ، فأخرجه إلى المدينة .
ولمّا توفّي السفّاح ، وبويع أخوه أبو جعفر المنصور ، وتوطّأت له الأمور أمر والي المدينة من قبله وقتئذ ، فقبض على عبد اللّه بن الحسن ، فحبسه بالمدينة ، وحبس معه جماعة من بني الحسن ، وثلّة من مواليهم .
قال الصولي في كتاب الأوراق : لمّا غضب السفّاح على عبد اللّه بن الحسن كلّمه فيه أخوه المنصور فضحك ، وقال : تكلّمني فيه واللّه لا يحيفه سواك .
وقال الصولي : لمّا قدم عبد اللّه على السفّاح ، أعطاه ألف ألف درهم ، وذلك أنّه لمّا قدم عليه قال له يوما : يا أمير المؤمنين سمعت بألف ألف وما رأيتها قطّ ، فأمر أبو العبّاس بحملها إلى بين يديه ، فلمّا حضرت ورآها عبد اللّه استهابها ، فقال :
احملوها معه ، فجاء الناس يهنون عبد اللّه ، فقال : شكرتم رجلا أعطانا بعض حقّنا وفاز بالباقي ، فبلغ أبا العبّاس ، فلم يقل شيئا .