جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون .
فمكث بالمدينة ، واشتغل في عقد الألوية والرايات ، وتعيين الجيوش للمسير إلى الولايات ، وسيّر أخاه إبراهيم إلى البصرة ، وعيّن له يوم خروجه ليكون خروجهما في يوم واحد ، فاعتلّ إبراهيم ولم يتمكّن من الخروج في اليوم الموعود .
فبلغ خبره المنصور ، فقامت عليه القيامة ، وأظلمت الدنيا في عينيه ، وجزم بأنّ محمّد بن عبد اللّه لا محالة سائر إليه ، وإنّه سيغلبه على ما في يديه ، فخلا ببعض أصحابه وقال له : ويحك قد ظهر محمّد ، فماذا ترى ؟ فقال : وأين ظهر ؟ قال :
بالمدينة ، فقال غلبت عليه وربّ الكعبة ، قال : وكيف ؟ قال : لأنّه خرج بحيث لا مال ولا رجال .
فعاجله بالحرب ، فأسرع المنصور بتجهيز ابن عمّه عيسى بن موسى بن علي بن عبيد اللّه بن العبّاس ، فضمّ إليه جيشا عظيما ، وسيّره بهم نحوه ، كما تقدّم بيانه ، فجعل عيسى يطوي الفيافي والقفار ، ويسير بجيوشه الليل والنهار ، حتّى قدم المدينة ، فاستقبلهم محمّد بمن معه من أبناء المهاجرين والأنصار ومن انضمّ إليهم من سائر الأقطار ، فاقتتلوا سويعة من النهار .
فلمّا رأى أصحاب محمّد حرّ الحديد ، وضرام النار من شبا الصوارم وسهام الأوتار ، فرّوا منهزمين ، وولّوهم الأدبار ، وبقي محمّد وحيدا فريدا ينظر عن اليمين واليسار ، فلم ير أحدا سوى جيوش الغدّار ، فدخل داره وأمر بالتنّور فسجر ، ثمّ ألقى فيه الدفتر الذي فيه أسماء أهل البيعة الذين بايعوه ، فاحترق ، ثمّ اغتسل ولبس النقيّ من ثيابه ، وخرج إليه وقاتلهم بنفسه ، حتّى قتل بأحجار الزيت ، وهو موضع في ظاهر المدينة يخرج إليه أهل المدينة إذا أرادوا الاستسقاء ، ثمّ أخذوا رأسه إلى المنصور .
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 185
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص١٨٥