ولمّا قدم أبو العبّاس السفّاح وأهله سرّا على أبي مسلم « 1 » صاحب الدعوة ، وذلك بعد قتل إبراهيم الإمام ، وهو يومئذ بالكوفة ، ستر أمرهم ، وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علي والعبّاس ، حتّى يختاروا هم من أرادوا .
ثمّ قال : أخاف أن لا يتّفقوا ، فعزم على أن يعدل « 2 » بالأمر إلى ولد علي من الحسن والحسين عليهما السّلام ، فكتب إلى ثلاثة نفر ، منهم : جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين عليهم السّلام ، وعمّه عمر الأشرف بن علي بن الحسين ، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، ووجّه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة ، فبدأ بأبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام ، فلقيه ليلا وأعلمه أنّه رسول أبي مسلم ، وأنّ معه كتابا منه إليه ، فقال عليه السّلام : وما أنا وأبو مسلم وشيعته ، فقال الرسول : تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام لخادمه : قدّم السراج منّي ، فقدّمه ، فوضع عليه كتاب أبي مسلم ، فأحرقه ، فقال : ألا تجيبه ؟ فقال : قد رأيت الجواب .
فخرج من عنده وأتى عبد اللّه بن الحسن ، فقبل كتابه ، وركب إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام ، فقال له : أيّ أمر جاء بك يا أبا محمّد ؟ لو أعلمتني لجئتك ، فقال :
يجلّ عن الوصف ، قال : وما هو يا أبا محمّد ؟ قال : هذا كتاب أبي مسلم يدعوني للأمر ، ويراني أحقّ الناس به ، وقد جاءته شيعتنا من خراسان .
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : ومتى صاروا شيعتك ؟ أنت وجّهت أبا مسلم إلى خراسان ، وأمرته بلبس السواد ؟ وهل تعرف أحدا منهم بإسمه ونسبه ؟ قال : لا أعرف أحدا منهم ، فقال عليه السّلام : فكيف يكونون من شيعتك وأنت لا تعرفهم ولا هم يعرفونك ؟ فقال عبد اللّه : أن كان هذا الكلام منك لشيء ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : قد علم اللّه أنّي أوجب على نفسي النصح لكلّ مسلم ، فكيف أدّخره عنك ؟ فلا تمنّين
هامش
( 1 ) أبي سلمة .
( 2 ) في العمدة : يعزل .