أتتني سهام من لحاظ فأرشقت * بقلبي ولو أسطيع ردّا رددتها
ثم عاد وقد تمكن الهوى منه ، فأخبر صديقا له فقال : اكتم ما بك واخطبها إلى أبيها ، فإنه يزوّجكها وإن أشهرت عشقها حرمتها .
ففعل وخطبها ، فأجيب وتزوّج بها وأقاما على أحسن حال وأنعم بال لا يزداد فيها إلا غراما فمضى عليهما ثمان سنين ولم تحمل ، وكان أبوه ذا ثروة وليس له غيره فأقسم عليه أن يتزوّج غيرها ليولد له ولد لحفظ النسب والمال ، فعرض عليها ذلك ، فأبت أن تكون مع أخرى ، فعاود أباه فأمره بطلاقها فأبى ، فألح عليه وهو لم يجب إلى أن بلغه يوما أن عبد اللّه قد تمكن السكر منه فعدّها فرصة وأرسل إليه يدعوه ، وقد جلس معه أكابر الحي فمنعته هند وقالت : واللّه لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران فيريد أن يعرض عليك الطلاق ، ولئن فعلت لتموتن ، وأظن أنك فاعل فأبى عبد اللّه إلا الخروج فجاذبته ويدها مخلقة بالزعفران فأثرت في ثوبه ، فلما جلس مع أبيه وقد عرف أكابر العرب حاله فأقبلوا يعنفونه ويتناوشونه من كل مكان حتى استحى فطلقها ، فلما سمعت بذلك احتجبت عنه فوجد وجدا كاد أن يقضي معه ، وأنشد :
طلقت هندا طائعا * فندمت بعد فراقها
فالعين تذرف دمعها * كالدّر من آماقها
متحلبا فوق الردا * فتجول في رقراقها
خود رداح طفلة * ما الفحش من أخلاقها
ولقد ألذّ حديثها * فأسرّ عند عناقها
إن كنت ساقية ببز * ل الأدم أو بحقاقها
فاسقي بني نهد إذا * شربوا خيار زقاقها
فالخلل تعلم كيف تل * حقها غداة لحاقها
بأسنة زرق صبح * نا القوم حدّر قافها
حترى ترى قصد القنا * والبيض في أعناقها
فلما رجعت هند إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير ، فزوّجها أبوها منه فبنى بها عندهم ، وأخرجها إلى بلده فلم يزل عبد اللّه بن عجلان دنفا سقيما يقول فيها الشعر ويبكيها حتى مات أسفا عليها ، وعرضوا عليه بنات الحي جميعا فلم يقبل واحدة منهن .