المشركين وأبلى بلاء حسنا حتى وصل إلى هند وهي ترتجز وخلفها النّساء يضربن الدفوف خلف الرجال ، فأراد أن يعلوها بالسيف ثم امتنع خشية العار ، ثم إنه لما قتل حمزة مثّلت به وشقّت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها ، فلم تطق إساغتها فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فدعا عليها وأصابه حزن شديد على ذلك .
ولما بويع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان من ضمن كلامه للنساء وهند معهن :
تبايعنني على أن لا تشركن باللّه شيئا ، قالت هند : إنك واللّه لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال فسنؤتيكه . وقال : « ولا تسرقن » قالت : واللّه إني كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة ، فقال أبو سفيان وكان حاضرا أما ما مضى فأنت منه في حل فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أهند » قالت : أنا هند فاعف عما سلف عفا اللّه عنك . قال : « ولا تزنين » قالت : وهل تزني الحرّة ؟ قال :
« ولا تقتلن أولادكن » قالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا فأنت وهم أعلم . فضحك عمر بن الخطاب فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكنّ وأرجلكن » قالت : واللّه إنّ إتيان البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق . قال : « ولا تعصينني في معروف » قالت : ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك . فقال النبي لعمر : بايعهن واستغفر لهن فبايعهن ، ثم قالت هند للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن أبا سفيان لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها ، فقال لها : « خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك » « 1 » وبعد ذلك شهدت اليرموك مع زوجها وتوفيت في خلافة عمر سنة ثلاث عشرة للهجرة .
وكانت شاعرة أديبة فصيحة ، ولها أشعار كثيرة منها ما قالته في أبيها عتبة حين قتل يوم بدر :
أعينيّ جودا بدمع سرب * على خير خندف إذ ينقلب
تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حدّ أسيافهم * يفلّونه بعد ما قد عطب
يجرّون منه عفير التراب * على وجهه عاريا قد سلب
وكان لنا جبلا راسيا * جميل المراح كثير العشب
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد 8 / 237 .