ذلك الخبر عند الوزراء والأمراء وأكابر النساء فجعلن يرسلن كل على قدر مقامه من النذور ، وازدحمن على زيارتها ، فأرسل الأمير عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف يلتمس منه الحضور إليه بالعنز ليتبرك بها هو وحريمه ، فركب الشيخ بغلته والعنز في حجره وصحبته الطبول والبيارق والجم الغفير من الناس حتى دخلوا إلى بيت ذلك الأمير على تلك الحالة ، وصعد بها إلى المجلس وعنده كثير من الأمراء فتلمس بها وأمر بإدخالها إلى الحريم للبركة ، وكان قد أوصى بذبحها وطبخها فلما ذبحوها وطبخوها أخرجوها مع الغداء فأكلوا منها وصار الشيخ يأكل والأمير يقول : كل يا شيخ من هذا التيس السمين فيقول واللّه إنه طيب ونفيس ، وهو لا يعلم أنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون ، فلما أكلوا وشربوا القهوة طلب الشيخ العنز فعرفه الأمير أن الذي كان بين يديه وأكل منه هو العنز ، فبهت الشيخ عند ذلك ثم بكّته الأمير ووبّخه ، وأمر أن يوضع جلد العنز على عمامته وأن يذهب به كما جاء بموكبه وبين يديه الطبول والأشائر ، ووكل به من أوصله إلى محله على الصورة المذكورة ، وفي ذلك يقول الأديب الكامل والشاعر الثائر عبد اللّه بن سلامة الأدكاوي :
ببنت رسول اللّه طيبة الثنا * نفيسة إذ تظفر بما شئت من عزّ
ورم من جداها كل خير فإنها * لطلابها يا صاح أنفع من كنز
ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن * يضلّ الورى في حبها منه بالعنز
فعاجلها من نوّر اللّه قلبه * بذبح وأضحى الشيخ من أجلها مخزي
« 430 » - نصرة إيلياس غريب
ولدت نصرة غريب بطرابلس الشام عام ( 1862 ) م من عائلة غريب ، وأمّها من فاضلات النساء ، فورثت منها طيب الأخلاق وصفاء النية ورقة الجانب ، وكانت وحيدتها فاعتنت بتربيتها وأرضعتها لبان العلوم في أحسن مدارس طرابلس ، فتمكنت منها المناقب الحسنة بالقدوة والتربية ، وهذه القوى الثلاث أي الوراثة والقدوة والتربية مصدر الأخلاق ودعامتها ، فقلما يطيب فرع أصله خبيث ، وقلما يخبث فرغ أصله طيب وقلما بلغت السابعة عشرة اقترنت
هامش
( 430 ) - أعلام النساء 5 / 177 .