تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 778

مساهمون:

ص٧٧٨
الأصفر المتقن الصنعة البديع الشكل والجامع يطلّ على المدينة وقد وقفت بجانبه فرأيت أمامي معظم القاهرة مقطّعة بالشوارع تقطّعا هندسيّا ، وقد رفعت فيه قباب الجوامع على ما سواها من المباني وعلت المآذن مئات كأنها شجر غاب في سهل أو سواري السفن في البحر ، ويلي المدينة غربا نهر النيل جاريا بين حقول الزرع وغياض الشجر وغابات النخيل ، كأنه سيف صقيل مسلول على بساط أخضر وثير ، ويلي حواشيه الخضراء رمال الصحراء والأهرام الناطحة عنان السماء ، وهذا المنظر من المناظر التي تستحق أيدي أبدع المصورات وتعرضها قرة للعيون ونزهة للنفوس ، وبجانب هذا الجامع قلعة عظيمة كانت تسك فيها النقود ويعرف مكان سكها بالضّربخانة ، والقلعة اليوم في قبضة الجنود الإنكليزية التي دخلت بلاد مصر بعد النازلة العرابية . وفي القاهرة جوامع عديدة بعضها موصوف بجمال داخله رونق ، ولكن أشهرها في الاسم يكاد يكون أدناها في البناء أريد به الجامع الأزهر الذي سمعتن به كثيرا ، فهو جامع للتدريس ، وفيه من الطلبة ما ينيف عن عشرة آلاف طالب على ما يقال ، فهو أكثر مدارس الأرض طلبة وأقدمها عهدا فيما يظن ومنه يخرج أشهر علماء العربية والفقه والأدب من المسلمين . والذي اعتنى كثيرا بتحسين القاهرة وهندستها وترتيبها إسماعيل باشا والد سمو الخديوي الحالي ، قيل : إنه كان معلقا خارطة باريس في غرفته الخاصة حيث يقع عينه عليها في دخوله وخروجه ، وكان باذلا جهده في تخطيط القاهرة بحسبها ، فمدّ الطرق الواسعة فيها من طرف إلى طرف حتى صارت المركبات تخترقها في أكثر جهاتها ، وغرس الشجر على حانبيها ، ونور أشهر شوارعها بنور الغاز ، وشيد فها المباني الضخمة من قصور ونحوها ، وأشهرها مرسح للتمثيل يسمونه ( الأوبرا بالاسم الفرنساوي قد أنفقت عليه أموال كثيرة جدا حتى صار الناس لا يستكثرون فيها أعظم المبالغات ، وددت لو أن قلمي العاجز يستطيع وصف محاسن هذه ( الأوبرا ) فكنت أو فيها حقها أما الآن وأنا على ما أنا عيه من العجز والقصور فأكتفي بوصف وجيز لها ، ففي وسط قاعة التمثيل ثريا ( أي نجفة ) تنار بالغاز لها أنابيب من الصيني على هيئة الشمع فيتوهم الناظر إليها أنها شمع ، وقد صنع بعضها أكبر من بعض حتى كأنه ذاب مشتعلا ، وبعضها كأنه الشمع الذائب يقطر عن جوانبه وقد عبث النسيم باللهيب