تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 776

مساهمون:

ص٧٧٦
إلى حضرة الرئيسة المحترمة والأعضاء المكرمات بعد التحية أقول : إني لو خيرت لاخترت الحضور بينكن والتمتع بمجالستكن واجتناء لذيذ أحاديثكن على المكاتبة وتبادل الأشواق بالحبر والقرطاس ، ولكن هذا نصيبنا ، فقد قسم لنا أن نترك الوطن العزيز وأن نفارق صاحبات حبيبات ودارا ضمتنا جميعا فقضينا فيها أوقات أنس من أظرف الأوقات ، وتعلقت قلوبنا بها فصارت تحنّ إليها وتتحسر عليها ألا وهي المدرسة التي أنتن مجتمعات فيها الآن ، والتي تغذينا منها بألبان المعارف والعلوم ، لا ريب عندي أن كلا منكن تذكر الآن تلك الأيام التي كنا نجتمع فيها معا كالأخوات بنات العائلة الواحدة ، مشمولات بنظر اللواتي كنّ يسهرن علينا سهر الأمهات على البنات ، ونحن نرتع في نعيم الطهر والصّبا ، نملأ منه صافي كأس الحياة لا همّ لنا إلا العلوم ، ولا غمّ إلا عدم حفظ الدروس . أما الآن فقد تبدلت تلك الأحوال وتشتّت عملنا في كل الجهات حتى صار يصعب علينا الاجتماع جميعا في محلّ واحد ومكان كما هو مقتضى جمعيتنا هذه ، قد وصلت دعوتكن إليه . وأنا بعيدة عنكن غير قادرة على الاجتماع معكن ، وقد قيل : إن الطاعة خير من الذبيحة ، فلذلك رأيت أن أكتب إليكن ببعض ما شاهدته بعد اجتماعنا الأخير إجابة لطلبكن في الدعوة راجية منكنّ المعذرة على إشغال وقتكن بمطالعته لقلة ما تضمن من الفوائد ، فأقول : فارقت بيروت في 4 تشرين الثاني ( نوفمبر ) سنة ( 1885 ) مع رفيقتي الصادقة الوداد السيدة ياقوت صرّوف قاصدين القاهرة محل إقامتنا الآن ، فمررنا بمدن رأيت فيها جماعة من بنات مدرستنا اللواتي سبقتنا إلى هذه البلاد ، ثم ركبنا القطار وسرنا أسرع من الطير في تلك المركبات العجيبة التي أزالت عناء الأسفار ، وقربت ما بعد من الديار ، فقطعنا في نحو ساعات ما يقطع عندنا في أسبوع من الزمان ، ولما دخلنا القاهرة وجدناها مدينة كبيرة متسعة الأزقة والشوارع ، تختلف عن بيروت اختلافا عظيما ، ولكن لم تطل إقامتي فيها حتى صرت أشعر بالوحشة العظيمة لجبال لبنان التي حوت بيروت في كنفها ، والبحر المتوسط المنبسط أمامها كالبساط الأزرق في رواق أجمل القصور وهذا من يسمع عن القاهرة ويقرأ كلام الكتاب فيها يتوهم أنها هي الفسطاط المدينة القديمة الشهيرة ، والحال أن تلك لم يبق منها إلا الأطلال بالية وبيوت قليلة خربة أو متداعية ، وكلها في جهة تعرف بمصر العتيقة في هذه الأيام ، وأما