لتعليم النساء البائسات والتصدّق عليهن فشاركتهن في هذا العمل المبرور ، وجعلت بيتها دارا لتلك الجمعية ، فكن يجتمعن فيه كل أسبوع يتعلمن ويأخذن ما يتصدق به عليهن من كساو ونقود .
وفي أواخر سنة ( 1885 ) انتقلت المترجمة مع زوجها إلى الديار المصرية ، ولما استقرّ بها القرار عكفت على المطالعة والدرس استعدادا لعمل حميد كانت ناوية أن تشرع فيه خدمة لبنات عصرها لو فسخ في أجلها ، ولكن باغتها على غرّة مرض يشبه السل يدخل الأبدان مع الهواء وينشب في الرئتين أظفاره وهو المنية بعينها ، ولا دافع له من دواء ولا رقية :
أمر رب العباد يقضي بماشا * تعالى عن الخلائق سرمد
فأرجعت مريضة إلى بر الشام في صيف تلك السنة ونزلت في قرية من أطيب قرى لبنان هواء وماء فأقامت هناك على ربى لبنان تصارع الداء بجودة الهواء إلى أن دخل فصل الشتاء ، فقال الأطباء : قد أزف الرحيل ومصر لمن كان مثلها خير دواء ، فرجعت إلى مصر ومضت إلى حلوان وعادت إلى القاهرة وامتحنت كل علاج قديم وحديث أشار به الأطباء ، وكلهم من صفوة المعارف وأخلص الأصدقاء لها ولكن ماذا ينفع الدواء والداء عياء .
ولم يذهب المرض الطويل والألم الشديد بشيء من بشاشة وجهها ، ولا من طلاوة حديثها ، ولا من حصافة رأيها ، فكانت تبشّ بوجه العوّاد مهما كانت آلامها قوية ، وتسامرهم وتطايبهم وترتئي الآراء السديدة ، وتقصّ الأحاديث المفيدة ، وهي عارفة بسير مرضها وبأن الشفاء فيه نادر ، ولما قطعت الرجاء من الحياة كاشفت ذويها فأرادوا أن يقووا آمالها فقالت : إليكم عن المحال فقد أزف الرحيل وستحضرني الوفاة هذه الليلة ونادت زوجها وأخاها وكل واحد من أصدقائها باسمه ، وتكلّمت معهم كلاما يلين له الجماد ، ويفتت الأكباد ، ثم أغمضت جفنيها وأسلمت الروح في الساعة الأولى من يوم ( 22 ) آذار ( مارس ) سنة ( 1906 ) في غرة فصل الربيع وهي في غرة ربيع الحياة .
ومن آثارها رسالة بعثت بها إلى جمعية السيّدات اللواتي نلن الشهادة المدرسيّة في مدرسة البنات السورية في بيروت وذلك في شهر نيسان ( إبريل ) سنة ( 1887 ) ، وهي :