ولما كان الصباح قال الحجاج لعبيد بن موهب حاجبه : مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب أحدها خز . ثم قالت : أصلح اللّه الأمير قد أضرّ بنا العريف في الصدقة وقد خربت بلادنا وانكسرت قلوبنا ، فأخذ خيار المال .
فقال الحجاج : اكتبوا إلى صاحب اليمامة بعزل العريف الذي شكته .
وقيل : إن ليلى لما دخلت على الحجاج فلما قالت : ( غلام إذا هزا القناة سقاها ) قال لها : لا تقولي غلام وقولي : همام . أمر لها بمائتين فقالت : زدني .
فقال : اجعلوها ثلاثمائة . فقال بعض جلسائه : إنها غنم . قالت : الأمير أكرم من ذلك وأعظم قدرا من أن يأمر لي إلا بالإبل . قال : فاستحى وأمر لها بثلاثمائة بعير وإنما كان أمر لها بغنم لا إبل .
وبينما الحجاج بن يوسف جالس يوما دخل عليه الآذن فقال : ما أتى بك يا ليلى ؟ قالت : إخلاف النجوم وكلب البرد وشدة الجهد ، وكنت لنا بعد اللّه المردّ .
قال : فأخبريني عن الأرض .
قالت : الأرض مقشعرّة ، والفجاج مغبرّة وذو الغنى مختلّ ، وذو الحد منفلّ .
قال : وما سبب ذلك ؟ قالت : أصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا فصيلا ولا ربعا ، ولم تبق عافطة ولا نافطة ، فقد أهلكت الرجال ، ومزقت العيال ، وأفسدت الأموال . ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناها متقدّما . وقال في الخبر قال الحجاج : هذه التي يقال فيها :
نحن الأخايل لا يزال غلامنا * حتى يدب على العصا مشهورا
تبكي الرماح إذا فقدن أكفنا * جزعا وتعرفنا الرفاق بحورا
ثم قال لها : يا ليلى أنشدينا بعض شعرك في توبة فأنشدته قولها :
( لعمرك ما بالموت عار على الفتى ) القصيدة . فقال الحجاج لحاجبه : اذهب فاقطع لسانها فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها ، فقالت : ويلك إنما قال لك الأمير اقطع لسانها بالصلة والعطاء فارجع إليه واستأذنه فرجع إليه فاستأمره فاستشاط عليه وهمّ بقطع لسانه ثم أمر بها فدخلت عليه فقالت : كاد وعهد اللّه يقطع مقولي وأنشدته :