فيا توب ما في العيش خير ولا ندى * يعدّ وقد أمسيت في ترب نفنف
وما نلت منك النصف حتى ارتمت بك ال * منايا بسهم صائب الوقع أعجف
فيا ألف إلف كنت حيا مسلما * لألقاك مثل القسور المتطرف
كما كنت إذ كنت المرجى من الردى * إذا الخيل جالت بالقنا المتقصف
وكم من لهيف محجر قد أجبته * بأبيض قطاع الضريبة مرهف
فأنقذته والموت يحرق نابه * عليه ولم يطعن ولم يتنسف
قيل : وكان الحجاج جالسا إذا استؤذن لليلى ، فقال الحجاج : وأي ليلى ؟
قيل : الأخيلية . قال : أدخلوها . فدخلت امرأة طويلة دعجاء العينين ، حسنة المشية ، فسلمت ، فردّ الحجاج عليها ورحّب بها ، وأمر الغلام فوضع لها وسادة فجلست ، فقال : ما أقدمك ؟ قالت : السلام على الأمير ، والقضاء لحقه ، والتعرض لمعروفه . قال : وكيف خلفت قومك ؟ قالت : تركتهم في حال خصب ، وأمن ودعة ، أما الخصب ففي الأموال ، وأما الأمن فقد أمنهم اللّه عز وجل بك ، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصبح بينهم ، ثم قالت :
ألا أنشدك ؟ قال : إن شئت . فقالت :
أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال * منايا بكف اللّه حيث تراها
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعلّها * إذا جمحت يوما وخيف أذاها
إذا سمع الحجاج صوت كتيبة * أعدّ لها قبل النزول قراها
أعدّ لها مصقولة فارسية * بأيدي رجال يحسنون غذاها
أحجاج لا تعطي العصاة مناهم * ولا اللّه يعطي للعصاة مناها
ولا كل حلّاف تقلد بيعة * فأعظم عهد اللّه ثم شراها
فقال الحجاج ليحيى بن منقذ : للّه بلادها ما أشعرها ، ثم أقبل على جلسائه فقال لهم : أتدرون من هذه ؟ قالوا : لا واللّه ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها ولا أحسن إنشادا . قال : هذه ليلى صاحبة توبة . ثم قال لها : أي النساء تختارين أن تنزلي عندها ؟ قالت : سمهن لي . فسماهن فاختارت هند بنت أسماء ، فدخلت عليها فصبت هند حليها عليها حتى أثقلتها لاختيارها إياها ودخولها عليها دون سواها .