له فضل على الناس * وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقا * صريع في بواكيه
فلا يبعده اللّه * وبعدا لنواعيه
ولما بلغ ذلك قيسا اشتدّ به الغرام ، فركب حتى أتى محل قومها فقالت له النساء ما تصنع بهذا وقد رحلت مع زوجها ؟ فلم يلتفت حتى أتى محل خبائها فتمرغ به وأنشد :
إلى اللّه أشكو فقد لبنى كما شكا * إلى اللّه فقد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه * نحيل وعهد الوالدين قديم
وحجت لبنى في تلك السنة ، فاتفق خروج قيس أيضا فتلاقيا ، فبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد :
إذا طلعت شمس النهار فسلمي * فآية تسليمي عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت * وعشر إذا اصفرّت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي اسلمي * بكت جزعا وارفضّ منها دموعها
وحين انقضى الحج مرض مرضا شديدا فأنهكه ، فأكثر الناس من عيادته ، فجعل يتفكر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد :
ألبنى لقد جلّت عليك مصيبتي * غداة غد إذ حلّ ما أتوقّع
تمنينني نيلا وتلوينني به * فنفسي شوقا كل يوم تقطّع
ألومك في شأني وأنت مليمة * لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة * فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة * لديك فلا تبكي غدا حين أرفع
فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعا شديدا وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع ، وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفا عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ، ولكنها جلدة ، وجاء قيس إلى المدينة بناقة من إبلة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه ، ثم قال له : ائتني غدا في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن ، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاما وقام لبعض حاجاته ، فقالت لبني لخادمتها : سليه ما بال وجهه متغيرا شاحبا فتنفس