الأحوال ومراتب الإقبال وفنون المحبة ، ولكن لم تلد لبنى فساء ذلك أبويه فعرضا على قيس أنه يتزوج بمن تجيء بولد ، وذلك أحفظ لنفسه وأبقى لماله ، فامتنع امتناعا يؤذن باستحالة ذلك ، وقال : لا أسؤها قط وقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أن لا يكنه سقف إلا أن يطلق قيس لبنى . فكان إذا اشتد الحر يجيؤه فيظله بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له : لا تفعل فتهلك إلى أن قدر اللّه وطلّقها فلما أزمعت الرحيل بعد العدّة جاء وقد سأل الجارية عن أمرهم فقالت : سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها ترتحل الليلة أو غدا فسقط مغشيا عليه ، فلما أفاق أنشد :
وإني لمفن دمع عيني بالبكا * حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة * فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي * بكفّيك إلا أن ما حان حائن
فلما حملت إلى المدينة يئس قيس واشتد شوقه وزاد غرامه وأفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال ، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندم وجعل يتلطف به فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه يتصفح أحياء العرب ، فلعل أن تقع عينه على من تسليه عن حب لبنى ، ففعل حتى نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسنا فسألها عن اسمها فقالت : لبنى فسقط مغشيا عليه فارتاعت وقالت : إن لم تكن قيسا فمجنون ونضحت على وجهه الماء فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس لبنى وكان أمرهما اشتهر في العرب وجاء أخوها فأخبرته فركب حتى استردّه وأقسم عليه أن يقيم عنده شهرا فقال له : لقد شققت علي وأجاب ، فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه المصاهرة حتى لامته العرب وقالوا : نخشى أن يصير فعلك هذا سنة في العرب فقال : دعوني ففي مثل هذا فليرغب الكرام . وألح عليه وزوّجه بأخته ، فلما بلغ لبنى قالت : إنه لغدّار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب ، وكان أبوها قد اشتكى قيسا إلى معاوية وقال : إنه يشبب بابنته ، فكتب إلى مروان يهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني ففعل ، وأجابت حين علمت بزواج قيس فجعل النساء يغنينها ليلة الزفاف :
لبينى زوجها أصب * ح لا حرّ يوازيه