وفي آخرها : أنا يا أبا عثمان في حال التلف ، ولم تعدني ولا سألت عن خبري . فأخذ بيد ابن السري ومضيا إليها ، فسألها عن خبرها فقالت : هوذا أموت وتستريح مني فأنشأ يقول :
لامتّ قلبي بل أحيا وأنت معا * ولا أعيش إلى يوم تموتينا
لكن نعيش بما نهوى ونأمله * ويرغم اللّه فينا أنف واشينا
حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا * وحان من أمرنا ما ليس يعدونا
متنا جميعا كغصني بانة ذبلا * من بعد ما نضرا واستوسقا حينا
ثم السلام علينا في مضاجعنا * حتى نعود إلى ميزان منشينا
وبلغها حينما كانت مائلة إلى بنان أن سعيدا عشق جارية من جواري القيان ، فكتبت إليه :
يا عالي السن سيئ الأدب * شبت وأنت الغلام في الطرب
ويحك إن القيان كالشرك ال * منصوب الغرور والعطب
لا يتصدين للفقير ولا * يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكّي هواك إذ عدلت * عن زفرات الشكوى إلى الطلب
تلحظ هذا وذا وذاك وذي * لحظ محب وفعل مكتئب
وافتصد سعيد بن حميد يوما فقالت فضل لعريب : وهل لك أن نذهب فنزور سعيدا . قالت لها : فلا مانع من ذلك . وأرسلت إليه قبل زيارتها هدايا منها ألف جدي وجمل ، وألف دجاجة فائقة ، وألف طبق ريحان ، وفاكهة ، ومع ذلك طيب كثير وشراب وتحف حسان ، فكتب إليها سعيد وإن سروري لا يتم إلا بحضورك . فجاءته في آخر النهار وجلست معه على الشراب وغنّتهم عريب بما لزم فبينما هم كذلك وإذا بالغلام يستأذن لبنان ، فإذن له ، فدخل إليهم وإذا هو شاب طرير حسن الوجه ، حسن الغناء ، نظيف الثياب ، شكل ، فذهب بفضل كل مذهب ، فأقلبت عليه بحديثها ونظرها ، فتنمر سعيد واستطير غضبا ، وتبين بنان القصة فانصرف ، وأقبل عليها سعيد ، يعذلها ويؤنبها ساعة ثم أمسك فقالت منشدة :
يا من أطلت تفرّسي * في وجهه وتنفّسي
أفديك من متدلل * يزهو بقتل الأنفس