قالت الراهبة : فهل نزلت مثل هذه المائدة ؟
قلت : نعم فقد ذهب المفسرون إلى أنه بناء على دعاء عيسى عليه السلام أنزلت الملائكة مائدة من السماء ، وكانت مائدة مغطاة بمنديل قد نزلت على حين كانت من طرفيها الأعلى والأسفل ملفوفة بقطعة من نسيج ، فرفع عيسى عليه السلام غطاءها بعد أن شكر الحق سبحانه وتعالى ، وقد رأى الحواريون ذلك رأي العين فكانت عليها مأكولات متنوعة ، وقد اختلفت الروايات في أشكال وأنواع هذه المأكولات والرواية المشهورة تفيد أنه قد كان على المائدة المذكورة خبز وسمك وبعض الخضراوات وسمن وعسل وجبن ومقددات فنحن نجمع مثل هذه الأشياء ونرتب مائدة الإفطار على هذا الوجه ، وبعد الإفطار منها تبركا نبدأ بمناولة طعام المساء الأصلي .
وعقيب هذه المحاورة تكلم الزائرتان عن طعام الأتراك فوقعت لديهما حلوى صدر الدجاج موقع الاستحسان التام وأثنتا على لذتها واعترفتا بأن الطعام إجمالا خفيف جدا . ثم انتقلنا إلى البحث عن الصيام فبعد إذ أحاطت المادام علما أن الصيام هو عبارة عن عدم الأكل والشرب من قبل الفجر إلى المساء ، قالت بلسان رقيق للغاية : إن الصيام على هذا الوجه إما هو عبادة صعبة جدا وكأنها تحاول أن تجعلنا نعترف نحن أنفسنا بقدر هذه الصعوبة .
فقلت لها حينئذ : ليس في ذلك من صعوبة على الإطلاق بالنظر إلى ما أوتيناه من الألطاف الإلهية ، لاجرم أن القطاعات والرياضات عند المسيحيين ليست بأقل كلفة من الصيام حتى إنه على حين أن أرباب الزهد والتقوى في النصرانية من رجال ونساء وهم الذين انقطعوا إليهما وتحرروا من سائر الأشياء لم يكونوا بنادرين نرى إنهم لا يكاد يمرّون على خواطرهم قضية كونهم عرضوا أنفسهم لصعوبة خارجة عن حد الاستطاعة بانقطاعهم عن الانتفاعات واللذات الدنيوية فما تقولين بذلك يا عزيزتي ؟
قالت الراهبة : أقول : إنه مهما حصل من العبادات في سبيل الشكر للطف اللّه وإحسانه يكون قليلا .
قلت : لا ريب في ذلك حتى إنه قد ورد النص في القرآن الكريم بحق الرهبان حيث قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ