عندنا فأقامت ، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت بعد البسملة في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة وهي : ( أردت ، لولا ، لعلّي ) وأرسلتها ، فأخذها ابن المدبر وكتب تحت كل حرف هكذا : ( ليت ، ماذا ، أرجو ) ووجه بالرقعة ، فلما رأتها صفقت وقالت أأترك هؤلاء وأقعد عندكم ولا واللّه إذا تركني اللّه من يديه ولكني أخلف عندكم بعض جواريّ يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت وأخذت معها بعض جواريها وتركت بعضهن وانصرفت .
وعتب المأمون يوما على عريب فهجرها أياما ثم اعتلت فعادها فقال لها :
كيف وجدت طعم الهجر ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ، ومن ذمّ بدء الغضب حمد عاقبة الرضا . قال : فخرج المأمون إلى جلسائه فحدّثهم بالقصة تماما ثم قال : أترى لو كان هذا من كلام النّظام ألم يكن كبيرا ؟ !
وقال أحمد بن أبي دؤاد : جرى بين عريب والمأمون فكلمها المأمون في شيء غضبت منه فهجرته أياما قال أحمد بن أبي دؤاد فدخلت يوما فقال : يا أحمد اقض بيننا بالصلح ، فلما كلمتها في ذلك قالت : لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا وأنشأت تقول :
ونخلط الهجر بالوصال ولا * يدخل في الصلح بيننا أحد
فلما سمع المأمون ذلك دخل إليها بالصلح واصطلحا .
قال حمدون : كنت حاضرا في مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الأخيرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق ، فقال لي : اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق يعني المتعصم فأدّ إليه رسالتي . قال :
فركبت ومضيت ، بينما أنا في الطريق إذا سمعت وقع حافر دابة فرهبت من ذلك وجعلت أتوقاه حتى صك ركابي في ركاب تلك الدابة وبرقت بارقة فتأملت وجه الراكب وإذا هي عريب فقلت : عريب ؟ قالت : نعم أنت حمدون ؟
قلت : نعم فمن أين أتيت في هذا الوقت ؟ قالت من عند محمد بن حامد .
قلت : وما صنعت عنده ؟ قالت : عجبت من سؤالك هذا أترى أن عريب تخرج من مضرب الخليفة في مثل هذا الوقت لتزور محمد بن حامد وتقول لها ماذا كنت تصنعين عنده خرجت لأصلي معه التراويح أو لأدرس عليه شيئا من الفقه