ذلك الدر المصون ، لم أزل بين طرب أتوشح بوشاحه ، وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه ، وجعلت أغاول من نرجس تلك الروضة عيونا ملكت مني الحواس ، وأهصر من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس ، وأتأدب في حضرة وردها ، خوفا من شوكة سلطانه ، وإن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفيس جمانه ، وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ، ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى ؟ فأشار المنثور بكفه الخضيب أن لا نظير لتلك الغادة ، ونطق الزنبق بلسان البيان : لا تكتموا الشهادة ، فعند ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر ، وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور فعثر بذيل النسيم وتكسر ، وتمايلت أغصانها المورقة لسماع هذا الحديث ، وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ، ونشرا لهذه الفضائل التي سارت مسير المثل السائر ، فقلت بلسان الصادق الأمين ، بعد تحقق هذا النبأ اليقين : هكذا هكذا تكون الحديقة وإلا ، وكذلك كذلك ، لتكتب الفضائل وتملى :
وحدّثتني يا سعد عنهم فزدتني * غراما فزدني من حديثك يا سعد
فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة ، واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة ، واعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي على استحياء ، وكلما حرضه الشوق على القدوم يبطئه الحياء ، وكيف وقد حلّ في منبع الفضائل ، والمقام الذي لم يدع مقالا لقائل ، فكأني إنما أهدي الثمر إلى هجر ، وأمنح البحر الخضم بالمطر ، أدام اللّه تعالى تلك الحضرة ، وزادها كل حال بهجة ونضرة ، ما لاح جبين هلال ، وبلغ غاية الكمال .
ومن شعرها البديع قولها :
بيد العفاف أصون عز حجابي * وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرة وقادة وقريحة * نقّادة قد كملت آدابي
ولقد نظمت الشعر سيمة معشر * قبلي ذوات الخدر والأحساب
ما قلته إلا فكاهة ناطق * يهوي بلاغة منطق وكتاب
فبنية المهدي وليلى قدوتي * وبفطنتي أعطيت فصل خطابي
للّه درّ كواعب نسبوا لها * نسج العلا لعوانس وكعاب