وكيف تحسن الشفقة الوالدية بإساءة المشفق عليه ، فلو عنيت رجالنا معاشر الشرقيين بتربية بناتهم وأجمعت على تلقين العلوم لهن بمقدار شفقتهم ، لنالت أرفع مجد ، وأهنأ جد ، ولعوّضت تلك الفتيات عن ذلك القلق براحة العرفان ، وأوسعت بسواعد معلوميتهن مضيق السلوك إلى ساحة الإذعان ، وقامت بواجبات التدبير ، وهمت بوقاية أساس حليتها من التدمير ، لأن تخرب الدور بعد انقطاع أهلها طبيعي والطبيعي ليس بضار ، إنما هدم سقف الشرق بصرصر الجهل مع وجود الديار ، هو العار بل النار .
ومن المستغربات أن يفرّط الغارس في تمهيد الأصل ، ويأسف على اعوجاج الفرع ، هو المؤدّى به ، فلو أروت الرجال غرائسها من قرارة المعرفة والعرفان ، لاتكأت في ثقل الأحمال على قويم تلك الأفنان ، وصعدت بمساعدتهن أعلى الدرج ، وتمسكت بأقوى الحجج ، ولكن تعالت هيئتنا هذه في التنمق عن التهذيب بحجة أوهى من بيت العنكبوت ، وهي أنهن إذا تعلمن الكتابة يعلقن بالهوى ، ومغازلة السّوى بالجوى ، وبادرن بالمراسلات ، ألم يطرق مسامعهم روايات الأميين ، وأحاديث الجاهلين ؟ فيا رجال أوطاننا ، وملّاك زمام شأننا لم تركتموهن سدى ، وذهلتم عن مزايا التأمل في ( ما تفعل اليوم ستلقاه غدا ) ، فمن أنكم بخلتم عن أن تمدّوهن بزينة الإنسانية الحقيقية ، ورضيتم بتجردهنّ عن حليتها البهية ، وهنّ بين أنامل سطوتكم أطوع من قلم ، وخضوعهن لسلطتكم أشهر من نار على علم ، فعلام ترفعون أكف الحيرة عند الحاجة كالضال المعنى ؟ وقد سخرتم بأمرهن وازدريتم باشتراكهن معكم في الأعمال ، واستحسنتم انفرادكم في كل معنى فانظروا عائد اللّوم على من يعود .
وإني أروم إظهار مقالي هذا ، ولكني لم أر ساعدا يكون لي مساعدا ، حتى منحني المراد مفتح درج ماكنه الفؤاد ، وهي رسالة إحدى السيدات التي ترى تربية البنات من الواجبات ، فيا لها من سيدة جلت بلوامع انتباهها في الليلة الليلاء سرجا ، ورقت بقوّة إدراكها في هذا السبق درجا ، وانشقت أذهان السامعين من زهر فطنتها أرجا ، وكحلت بإثمد نصحها عيون الناظرين فأحيت بصيره ، وأدارت أسنة اللوم عنهن لأنها بقدرهن خبيرة ، فحق لي أن أهنئ المخدّرات بفضل تلك المشارة ، التي شنفت مسامع الإيقاظ بهذه الإشارة ، هذا وإني أرى أنجم مصابيحها الغراء تنوّر بين أيدي الفضلاء ، وتهدى أن يميل كل
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 504
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٥٠٤