لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات
إني وإن كنت لست أهلا لمجال المقال في هذا المضمار ، ومعترفة بقصر اليد عن قبض زمام المنال لاعتكافي بخيمة الأزار ، لكني أرى من خلال أطرافه أن مناهج التربية طرف الكنوز ، وبحدود مسالك التأديب مفاتيح كل جوهر مكنوز ، فالواجب على كل ذي نفس كريمة أن يميل كل الميل إلى تلك السبل الفخيمة ، ويحث كل عزيز له أن يرتع في مراتعها القويمة ، ليحظى بتلك الجواهر اليتيمة ، مع أني أرى الهيئة الشرقية لا تنظر إلا ما هو أمامها من الصالح فتخص به نفسها ، ولو التفتت إلى ما بعد يومها ، وتفقدته لعضت أنامل الندم على ما فرّطت ، وجدت بالالتفات إلى حكم بارئ النّسمات . وموجد المخلوقات ، وهي المصانع البديعة الربانية ، والمباني الأصلية الطبيعية ، صيرورة مدار عمران هذا العالم على الزوجين ، ولو أمكن الانفراد لخص عالم الأسرار أحدهما دون الآخر ، وهو الأفضل ، ولم يفقره إلى ما هو دونه فكان التأمل في هيولى هذا الكون موجبا على الهيئة لرجولية العناية بتأديب البنات ، وتهذيب العائلات ، لأن ثمرة السؤدد راجعه إليها ، فلربما إنه عقد أمر على الرجل فأدهشه فلمته الزوجة بأطراف بنانها الرقيقة وأخمدت جذوة ولوعه بتدابيرها الدقيقة ، وهو مع ذلك يجتهد في أن يكتم فضلها بين أفراد الهيئة ، ويحذر من إعلانه خشية أن يقال : هي ذات معلومية فيكدّر عيشه الصافي ، وهذا بخلاف الدولة الغربية فالأسف ثم الأسف على هيئة لم تمض فحصها في هذا النسق البديع ، ولم تجهد نفسها في البحث على هذا الشرف الرفيع ، والعجب ثم العجب على مدينة تشغف بتزيين فتياتها بحليّ مستعار ، وتستعين على إظهار جمالهن بزخرف المعادن والأحجار ، وتتخيل أنها زادتهن بسطة في الحسن والدلال ، والحال أنها ألقت إلى ساحة المباهاة والفجور ، وذلك لكف بصيرتهن عن الإدراك ، وعدم علمهن بنتائج الأحوال ، وعواقب الأمور :
قد زيّنت بالدر غرّة جبهة * وتوشحت بخمار جهل أسود
وتطوّقت بالعقد تبهج جيدها * والجهل يطمس كل فضل أمجد
فلو اجتهدت الهيئة الرجلية في حسن سلوكهن بالتربية ، وجذبتهن بشواهد المدنية إلى طرف الاطلاع ، لتتوّجت تلك الغانيات من تلقائها بيواقيت المعلومية ، وتقلدت بلآلئ التفقه ، وكلما شبت ألفت خطواتها في طرق