ما أرادت ، فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث فقال له : من أين ؟ قال : من المدينة . قال : فهل دخلت على عائشة بنت طلحة ؟ قال : نعم . قال : فبماذا سألتك ؟ قال : قالت لي : ما فعل الأعرابي قال له الحارث : فعد إليها ولك هذه الراحلة والحلة ونفقتك لطريقك ، وادفع إليها هذه الرقعة وكتب إليها فيها :
من كان يسأل عنا أين منزلنا * فالأقحوانة منّا منزل قمن
إذ نلبس العيش صفوا ما يكدّره * طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن
ليت الهوى لم يقرّبني إليك ولم * أعرفك إذ كان حظي منكم الحزن
ولقي عمر بن أبي ربيعة عائشة بمكة وهي تسير على بغلة لها فقال لها :
قفي حتى أسمعك ما قلت فيك . قالت : أوقد قلت يا فاسق ؟ قال : نعم ، فوقفت فأنشدها :
يا ربة البغلة الشهباء هل لك في * أن تشتري ميتا لا ترهبي حرجا
قالت بدائك مت أو عش تعالجه * فما ترى لك فيما عندنا خرجا
قد كنت حملتنا غيظا نعالجه * فإن بعدنا فقد عنيتنا حججا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا * أكلت لحمك من غيظ وما نضجا
فقلت : لا والذي حج الحجيج له * ما مجّ حبك من قلبي ولا نهجا
ولا رأى القلب من شيء يسر به * مذ بان منزلكم منا ولا ثلجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركت * في غير ذنب أبا الخطاب مختلجا
فقالت : لا ورب الكعبة ما عنينا طرفة عين قط ، ثم أطلقت عنان بغلتها وسارت ولم تزل تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة فقال في ذلك :
إن من تهوى من الفجر ظعن * للهوى والقلب متباع الوطن
بانت الشمس وكانت كلما * ذكرت للقلب عاودت الدرن
يا أبا الحارث قلبي طائر * فأتمر أمر رشيد مؤتمن
نظرت عيني إليها نظرة * تركت قلبي إليها مرتهن
ليس حب فوق ما أحببتها * غير أن أقتل نفسي أو أجن
ومن أشعاره أيضا فيها قصيدته التي أولها :
من لقلب أمسى رهينا معنّى * مستكينا قد شفّه ما أجنّا