ولما قدمت عائشة إلى مكة أرسل إليها الحارث بن خالد وهو أمير على مكة : إني أريد السلام عليك فإذا خف عليك أذنت وكان الرسول الغريض فقالت له : إنا حرم فإذا أحللنا أذنّاك . فلما حلّت سرت على بغلاتها ولحقها الغريض بعسفان ومعه كتاب الحارث إليها وفيه قوله :
ما ضركم لو قلتم سددا * إن المطايا عاجل غدها
لها علينا نعمة سلفت * لسنا على الأيام نجحدها
لو تممت أسباب نعمتها * تمت بذاك عندنا يدها
فلما قرأت الكتاب قالت : ما يدع الحارث باطله . ثم قالت للغريض :
هل أحدثت شيئا ؟ قال : نعم فاسمعي ، ثم اندفع يغني في هذا الشعر ، فقالت عائشة : واللّه ما قلنا إلا سددا ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه ، وأتى على الشعر كله فاستحسنته وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب ، وقالت : زدني . فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا :
زعموا بأنّ البين بعد غد * فالقلب مما أحدثوا يجف
والعين منذ أجدّ بينهم * مثل الجمان دموعها تكف
ومقالها ودموعها سجم * أقلل حنينك حين تنصرف
تشكو ونشكو ما أشت بنا * كل بوشك البين معترف
فقالت له عائشة : يا غريض بحقي عليك أهو أمرك أن تغنيني في هذا الشعر ؟ فقال : لا وحياتك يا سيدتي . فأمرت له بخمسة آلاف درهم ثم قالت له : غنني في شعر غيره فغناها في قول ابن أبي ربيعة :
أجمعت خلّتي مع الضجر بينا * جلّل اللّه ذلك الوجه زينا
أجمعت بينها ولم تك منها * لذة العيش والشباب قضينا
فتولت حمولها واستقلّت * لم تنل طائلا ولم تقض دينا
ولقد قلت يوم مكة لما * أرسلت تقرأ السلام علينا
أنعم الله بالرسول الذي أر * سل والمرسل الرسالة عينا
فضحكت ثم قالت : وأنت يا غريض فأنعم اللّه بك عينا وأنعم بابن أبي ربيعة عينا ، لقد تلطفت حتى أدّيت إلينا الرسالة وإن وفاءك له لمما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك .