إني وأوّل ما كلفت بذكرها * عجب وهل في الحي من متعجب
نعت النساء فقلت لست بمبصر * شبها لها أبدا ولا بمقرّب
فمكثن حينا ثم قلن توجهت * للحجّ موعدها لقاء الأخشب
أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي * والقلب بين مصدّق ومكذب
فلقيتها تمشي تهادي موهنا * ترمي الجمار عشية في موكب
غرّاء يعشي الناظرين بياضها * حوراء في غلواء عيش معجب
إن التي من أرضها وسمائها * جلبت لحينك ليتها لم تجلب
ولما حجت عائشة بنت طلحة جاءتها الثريا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن ، وكان الغريض فيمن جاء فدخل النّسوة عليها ، فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدّتها لمن يجيئها فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت به لها عائشة والغريض بالباب ، حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف فقال الغريض : فأين نصيبي من عائشة ؟ فقلن له :
أغفلناك وذهبت عن قلوبنا فقال : ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمة بنت كرام واندفع يغني بشعر جميل :
تذكرت ليلى فالفؤاد عميد * وشطت نواها فالمزار بعيد
فقالت : ويلكم هذا مولى العيلات بالباب يذكر نفسه هاتوه . فدخل فلما رأته ضحكت وقالت : لم أعلم مكانك ثم دعت له بأشياء أمرت له بها ، ثم قالت له : إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذلك وكذا شيء سمته له ، فغناها في شعر كثير :
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي * إلى اليوم أخفي حبها وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة * وتحمل في ليلى عليّ الضغائن
فقالت له : ما عدوت ما في نفسي ، ووصلته فأجزلت . قال إسحاق :
فقلت لأبي عبد اللّه : وهل علمت حديث هذين البيتين ولم سألت الغريض ذلك ؟ قال : نعم . نقل عن الشعبي أنه قال : دخلت مسجدا فإذا أنا بمصعب بن الزبير على سرير جالس والناس عنده فسلمت ثم ذهبت لأنصرف فقال لي : ادن مني يا شعبي فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه ثم قال : إذا قمت فاتبعني . فجلس قليلا ثم نهض فتوجه نحو دار