وإن اختارتكم انطلقتم بها ، قالوا : ذلك لك قال : دعوني ألهو بها الليلة وأفاديها غدا فلما كان الغد جاؤه فامتنع من فدائها فقالوا له : قد فاديتنا بها منذ البارحة وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر فلم يقدر على الامتناع ، وفاداها فلما فادوه بها خيّروها فاختارت قومها ثم أقبلت عليه فقالت : يا عروة أما أني أقول فيك وإن فارقتك الحق ، واللّه ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغض طرفا وأقل فحشا ، وأجود يدا ، وأحمى لحقيقة ، واللّه إنك ما علمت لضحوك وقور كسوب خفيف على متن الفراش ، ثقيل على ظهر العدوّ ، طويل العماد ، كثير الرماد ، راضي الأهل والأجانب ، وما مر عليّ يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إليّ من الحياة بين قومك لأني لم أكن أشأ أن أسمع امرأة من قومك تقول : قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته ، وو اللّه لا أنظر في وجه عطفانية أبدا فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم ثم فأرقته فقال عروة في ذلك :
أرقت وصحبتي بمضيق عيق * لبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمى * إذا كانت مجاورة السّدير
إذا حلّت بأرض بني عليّ * وأهلي بين زامرة وكير
ذكرت منازلا من أم وهب * محل الحي أسفل من نقير
وأحدث معهدا من أم وهب * معرّسنا بدار بني النضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو * إلى الإصباح أثرة ذي أثير
بآنسة الحديث رضاب فيها * بعيد النوم كالعنب العصير
فتزوجها رجل من بني عمها فقال لها يوما من الأيام : يا سلمى أثني عليّ كما أثنيت على عروة وكان قولها فيه اشتهر فقالت له : لا تكلفني ذلك فإن قلت الحق أغضبتك ، وإلا واللّات والعزى لا أكذب . فقال : عزمت عليك لتأتين في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين وخرج فجلس في نديّ القوم ، وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم فوقفت عليهم وقالت : أنعموا صباحا إن هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم ، ثم أقبلت عليه فقالت : واللّه إن شملتك لالتحاف ، وإن شربك لاشتفاف ، وإنك لتنام ليلة تخاف ، وتشبع ليلة تضاف ، وما ترضي الأهل ولا الجار ، ثم انصرفت عنه فلامه قومه ، وقالوا : ما كان أغناك عن هذا القول منها .