فليس من مات مردودا لنا أبدا * حتى يردّ علينا قبله ناسا
فلما قرأها المأمون بكى وقال : أنا الطالب بثأر أخي قتل اللّه قتلته . ثم إن المأمون عطف على زبيدة فجعل لها مكانا في قصر الخلافة وأقام لها الوظائف والخدم والجواري ، وكانت حاصرة عند دخوله الغرفة التي زفت إليه بها بوران بنت الحسن وطلبت لها بوران منه الإذن بالحج فأجابها إلى طلبها وألبست بوران بيدها قسما من ملابسها .
وأما حجتها المشهورة فقيل : أنفقت فيها في بناء المساجد والصدقات ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وأجرت الماء من دجلة إلى عرفات ثم إلى مكة حتى سقت أهلها كما مر وهذه مبالغة عظيمة فالماء الذي أجرته إلى مكة ليس من دجلة . قيل : وأجرت نبع العرعار من جبل لبنان إلى بيروت حتى وصل إلى وادي المكلس فبنوا له طبقات قناطر حتى جرى الماء فوقها إلى جانبه الآخر وتطرق إلى بيروت لأنها كانت قد مرت من هناك في حجتها المذكورة فوجدت الماء قليلا وإلى الآن يقال لهذه القناطر : قناطر زبيدة والأرجح أن بانية هذه القناطر إنما هي زنوبية ملكة تدمر المعروفة باسم زبيدة أيضا .
ولها آثار كثيرة من مثل ذلك تدعى الزبيدية غالبا نسبت إليها منها بركة في طريق مكة بين العقيق والعذيب بها قصر ومسجد عمرتهما من مالها ، ومحلات ببغداد مشهورة أيضا باسمها ولكثرة مالها وسعة نفقتها ضرب المثل الحريري بقوله : ( لو حبتك شيرين بجمالها وزبيدة بمالها ) .
ومما يحكى عن حلمها وحسن أخلاقها وفهمها أن أحد الشعراء مدحها بقصيدة يقول من جملتها :
أزبيدة ابنة جعفر * طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما * تعطي الأكفّ من الرّغاب
فهمّ الخدم بضربه وطرده ، وكانت هي خلف الستارة تسمعه فقالت :
دعوه لأنه لم يرد إلا خيرا ولكنه أخطأ الصواب فإنه سمع شمالك أندى من يمين غيرك وقفاك أحسن من وجه سواك فظن أن الذي ذهب إليه من ذلك القبيل أعطوه ما أمّل ، ونبّهوه على ما أهمل .
وأخبارها كثيرة ، منها : أنه حصل جفاء بينها وبين المأمون يوما فوجهت