إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك وتأمر بأن يقول أبياتا تعطفه عليها ، فقال :
ألا إن ريب الدهر يدني ويبعد * ويؤنس بالألا فطورا ويفقد
أصيبت بريب الدهر مني يد علت * فسلّمت للأقدار واللّه أحمد
وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد * فقد بقيت والحمد للّه لي يد
إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي * ولي جعفر لم يفقدا ومحمد
فلما سمع المأمون هذه الأبيات حسن موقعها عنده وأحسن إليها وبكى ، وقام من وقته إليها وأكب عليها وقبلت يديه ، وقال لها : ما جفوتك تعمدا ولكن شغلت عنك بما لم يمكن إغفاله . فقالت : يا أمير المؤمنين إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك . وأتم يومه عندها .
قال الحسن بن إبراهيم بن رباح : كان مخارق المغني يهوى جارية لأم جعفر يقال لها : نهار ويستر ذلك عن مولاتها حتى بلغها ذلك فأقصته ومنعته عن المرور ببابها ، وكان بها كلفا ، فلما بلغه الخبر أن أم جعفر علمت حبهما قطعها وتجافاها إجلالا لأم جعفر وطمعا في السلو عنها وبقي على ذلك حتى ضاق ذرعه ، وبينما هو ذات ليلة راكب في زلال وقد انصرف من دار المأمون وأم جعفر تشرف على دجلة إذ جاز دارها فرأى الشمع يزهر فيها ، ولما صار بمسمع منها ومرأى اندفع يغني :
إن يمنعوني ممري قرب دارهم * فسوف أنظر من بعد إلى الدار
سيما الهوى اشتهرت حتى غرفت بها * أني محب وما بالحب من عار
ما ضر جيرانكم واللّه يصلحهم * لولا شقائي إقبالي وإدباري
لا يقدرون على منعي ولو جهدوا * إذا مررت وتسليمي بأشعاري
فقالت أم جعفر : مخارق واللّه ردوه ، فصاحوا به : قدّم ، فقدم وأمره الخدم بالصعود فصعد ، وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها النبيذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنينه ثم ضربت عليه فغنى وكان أوّل ما غنى به :
أغيب عنك بودّ لا يغيره * نأي المحبّ ولا صرف من الزمن
فإن أعش فلعلّ الدهر يجمعنا * وإن أمت فقتيل الهمّ والحزن
قد حسن اللّه في عينيّ ما صنعت * حتى أرى حسنا ما ليس بالحسن