تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
واحد ، وكان كل قسم من هذا البناء العظيم ملطخا بدماء القتلى الذين قتلوا في تلك الأثناء ، وكانت الرجال والنساء الهائجون يجرّون الناس إلى السجون بالمئات والألوف ، وكان كثير منهم من الكهنة الذين ساقوهم أمام مذبح الكنيسة للاستهزاء برسوم الدين ، وهناك قتلوهم ، وكان في سجون فرنسا حينئذ نحو ثلاثمائة ألف مسجون وكلهم من الأبرياء ينتظرون ساعة قتلهم ولم يكن فيهم أحد من سوقة الناس وجهّالهم بل كانوا جميعا من أشراف فرنسا ومهذبيها . أما سجن جوزفين فكان في كنيسة هذا الدير مع مائة وستين نفسا من الرجال والنساء ، وكانت تظهر البشاشة بقدر الإمكان بين هؤلاء الرفاق ، وهي موقنة أنه لا ينال زوجها سوء ، وراجية أنهما سيخرجان قريبا ويرجعان إلى بيتهما وكانت تكتب إلى زوجها وأولادها تشجعهم وتشدّ عزائمهم وتجذب جميع من في السجن إليها بحسن أخلاقها ورقة شمائلها حتى امتلكت قلوب المسجونين في زمن قصير ، فاختاروها لتقرأ لهم الجريدة اليومية لمهارتها في القراءة وكونها ذات صوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب ، وكانوا يرون العجلات من نوافذ السجن مشحونة بالمسجونين المسوقين إلى الذبح كل يوم ، فالبعض يرين رجالهنّ والبعض أولادهن وغيرهم من الأعزاء عندهم فيقعون على الأرض فاقدي الشعور . وفي صباح يوم من الأيام حلمت جوزفين أنها خرجت من السجن وجلست مع زوجها وأولادها فسمعت مناديا يناديها للحضور أمام الحكام فتأكدت من ثم قرب أجلها لأنها علمت أن لا رادّ للعدو في تلك الشدّة العديمة الشفقة والرحمة ، وأن خداع هذه المحاكمة ليس إلا الحظوة الأولى لإعدام حياتها وليس بعدها إلا المذبحة فسقطت آمالها في الخلاص من قمة الرجاء إلى الحضيض واليأس ، وجذبها الوجد إلى زوجها وأولادها وغلب إلى هنيهة حنوّ المرأة على شجاعتها ولكنها رجعت إلى نفسها واستعدّت إلى المحاكمة بقدر ما يمكن من الهدوء والسكينة ، ثم سيقت من سجنها إلى دار المحكمة الملطخة بدماء القتلى وأدخلت إحدى غرفها هي وآخرون أيضا لكي ينتظروا نوبتهم للمحاكمة التي نتيجتها إما الحياة وإما الموت العاجل ، وبينما كانت جوزفين جالسة في هذه الغرفة تنتظر نوبتها إذ فتح باب من الجهة المقابلة ودخل منه فرقة من العساكر المتسلحة ومعهم عدد من الأسرى ، وكانوا