وآخر من الأشراف وقوي حزب العوام على حزب الأشراف وكان قائده رجلا قاسيا يدعى دوبس بير فقبضوا على جمهور غفير من حزب الأشراف وأودعوهم السجن ليقتلوهم بعد المحاكمة ، وكان في الجملة جوزفين وزوجها فإنهم قبضوا عليهما بعنف وساقوهما إلى السجن ووضعوا كلا منهما في مكان مظلم بعيدا عن الآخر ولم يرثوا لحالة ولديهما الصغيرين . وكان صباح اليوم الذي سجنت جوزفين فيه أتتها رسالة من بعض الأصدقاء يخبرونها بما سيجري عليها ويحضونها على الهرب وطلب النجاة ، فلما اطلعت جوزفين على الرسالة جعلت تتأمل في أمر نجاتها ونجاة أولادها أيضا ولكنها لم تر بابا للهرب حتى سمعت قرع الباب الخارجي والضوضاء أمامه ففهمت سبب ذلك وأسرعت إلى الغرفة التي كان الولدان نائمين فيها ودنت منهما وهما نائمان والدموع تتساقط على وجنتيها ثم أكبت عليهما وقبلتهما قبلة الوداع وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب لئلا يستيقظا ودخلت غرفة الاستقبال فرأت فيها عصبة من العساكر المسلحة فأغلظوا لها الكلام ، ثم سلبوا ما في بيتها وساقوها إلى السجن الذي قتل فيه ثمانية آلاف شخص منذ أشهر قليلة .
أما الولدان ، فلما استيقظا ووجدا أنفسهما منفردين في البيت مع الخدم سألا عن أمهما فأجابهما واحد أنه قد قبض عليها وأخذت إلى السجن ، فبكيا وانتحبا وطلبا أن يذهبا إلى السجن ويقيما مع أبيهما وأمهما ، وكان لهما عمة فلما علمت بسجن جوزفين أخذتهما إليها .
أما بواهرني وجوزفين فكان كل منهما في سجن مظلم من سجون القتلى ، وقد تلطخ كل منهما بآثار الذين قتلوا في تلك السجون وكانا لا ينفكان عن الافتكار والبكاء بسبب ما جرى لهما وما سيؤول إليه أمرهما وما آل إليه بيتهما من الخراب ويتشوّقان إلى استماع شيء عن ولديهما وأحوالهما ، وبينما هما في السجن إذ وصلت الأخبار إلى جوزفين عن أمر سلامتهما ففرح قلبها بتلك الأخبار السارة ، وأما بواهرني فلم يمكنه أن يسمع شيئا وكان هذا الحادث الهائل هو العاصف الثاني الذي لاقته جوزفين في بحر هذه الحياة العجاج ، أما السجن الذي كانت جوزفين مسجونة فيه فكان دير الكرمليين وقد اشتهر في تلك الأيام بكونه مسرح الظلم والعدوان وكان متسعا ، وفيه عدة غرف وله أسراب مظلمة حتى لقد وجد داخل جدرانه عشرة آلاف مسجون في وقت
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 234
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢٣٤