الجزيرة من تلعب معه من الأولاد سوى أولاد العبيد فهؤلاء كانوا أصدقاءها في الصغر ، أما أصحاب عمتها وزوجها فكانوا من خاصة الفرنسويين القاطنين في تلك الجزيرة وهم جماعة من المهذبين العارفين بالآداب والفنون المتمسكين بعوائد بلادهم واصطلاحاتها الحسنة ، ومن السياح الأوروبيين الذين يأتون الجزيرة ويجولون في أقطار العالم وكانت جوزفين تسمع أحاديثهم وتستوعبه في عقلها النير وتحفظ منه أمورا كثيرة لمستقبل الأيام ولذلك ظن الناس بعد اقترانها بنابوليون ومطالعة رسائلها الأنيقة أنها تعلمت في أحسن المدارس ودرست كل الفنون على أنها لم تدرس شيئا منها درسا قانونيا ما عدا الموسيقى والتصوير والرقص ، وأما ما بقي فاكتسبته اكتسابا بجدّها واجتهادها وتوقد ذهنها وشدة ميلها إلى الدراسة .
وكانت تضرب القيثار بحذاقة غريبة ، وتغني بصوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب ، وإذا قرأت أثرت في عقول السامعين وسحرتهم بحسن بيانها ورقة كلامها ، وقد اشتهرت بمحبة الأزهار ودرس علم النبات والرقص ، وبرعت في الخياطة وسائر فنون النساء غير أنها لم تكن تهتم بأمر الملبس اهتماما خاصا ولا كانت تباهي بحسن قوامها وجمال محياها شأن كثيرات من النساء ، وكانت صديقتها الحميمة في الصغر إحدى البنات الحبشيات اللون ، ويقال : إنها ابنة الكونت تشاي والد جوزفين قبل اقترانه الشرعي وهي أكبر منها بسنتين ولم تفارقها لفرط محبتها لها وتعلقها بها .
وبينما هما ذاهبتان للنزهة ذات يوم وجدتا عددا من العبيد حول امرأة سوداء طاعنة في السن تزعم أنها من أهل الكرامات الذين ينبئون بالغيب ، فوقفت جوزفين مع البنات ، ودنت إلى المرأة وسألتها أن تنبئها بمستقبل أمرها فقبضت المرأة على يدها وهزتها ، فقالت جوزفين : أظنك اطلعت على شيء من مستقبلي . فقالت المرأة : نعم ، قالت جوزفين متبسمة : هل تصيبني السعادة أو التعاسة ؟ فأجابتها المرأة : التعاسة ، ثم سكتت وقالت : ثم تتلوها السعادة .
فقالت جوزفين : أظنك غلطت ، فانظري ثانية . فرفعت المرأة نظرها إلى السماء وعلامات الكدر تلوح على وجهها وقالت : لا يسوغ لي أن أقول أكثر من ذلك . فسألتها جوزفين بإلحاح أن تنبئها بمستقبلها فأجابتها المرأة : أخاف أن لا تصدقيني ، فألحت عليها فقالت : إنك تتزوجين عن قريب ثم لا يمضي إلا
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 229
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢٢٩