أعيذك أن تغلّ يدي * بغير جريمة سبقت
تغل يدي إلى عنقي * وما خانت وما سرقت
وبين جوانحي كبد * أحس بها قد احترقت
وحقك يا منى قلبي * يمينا برّة صدقت
فلو قطعتها قطعا * وحقك عنك ما رجعت
ويروى عن السّري السّقطي أنه قال : دخلت يوما على تحفة في المارستان ، فوجدتها أنضر الناس وجها وعليها أطمار حسنة ، فشممت منها رائحة عطرية وهي تفوح شذاها إلى خارج المارستان ، فسألت القيم عنها فقال :
هي جارية مملوكة قد اختل عقلها فحبسها مولاها لعلها تنصلح ، فلما سمعت كلامه اغرورقت عيناها بالدموع ، ثم أنشدت :
معشر الناس ما جننت ولكن * أنا سكرانة وقلبي صاحي
أغللتم يدي ولم آت ذنبا * غير جهدي في حبه وافتضاحي
أنا مفتونة بحبّ حبيب * لست أبغي عن بابه من براح
فصلاحي الذي زعمتم فسادي * وفسادي الذي زعمتم صلاحي
ما على من أحب مولى الموالي * وارتضاه لنفسه من جناح
قال السري : فسمعت ما أقلقني وأشجاني وأحرقني وأبكاني ، فلما رأت دموعي قالت : يا سري ، هذا بكاؤك من الصفة فكيف لو عرفته حق معرفته ؟
ثم أغمي عليها ، فلما أفاقت جعلت تقول :
ألبستني ثوب وصل طاب ملبسه * فأنت مولى الورى حقا ومولائي
من غصّ داوى بشرب الماء غصّته * فكيف يصنع من قد غصّ بالماء
قلبي حزين على ما فات من زللي * والنفس في جسدي من أعظم الداء
والشوق في خاطري مني وفي كبدي * والحب مني مصون في سويداء
إليك منك قصدت الباب معتذرا * وأنت تعلم ما ضمته أحشائي
فقال لها السري : يا جارية ، سمعتك تذكرين المحبة فلمن تحبين ؟ قالت :
لمن تعرّف إلينا بنعمائه ، وجاد علينا بجزيل عطائه ، فهو قريب إلى القلوب ، مجيب لطلب المحبوب ، سميع عليم ، بديع حكيم ، جواد كريم ، غفور رحيم ، ثم أنشأت :