حرف التاء
« 142 » - تحفة الزاهدة
هي جارية لبعض تجار بغداد ، كانت بارعة في الجمال تحسن صنعة العود ، وكان سيدها صرف عليها ماله وزاد في تعليمها وتهذيبها ، وكان شراؤها عليه بعشرين ألف درهم وغايته الربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها وكمال أدبها واستقامتها ، فبينما هي يوما جالسة والعود في حجرها وهي تغني وتقول :
وحقك لانقضت الدهر عهدا * ولا كدّرت بعد الصّفو ودا
ملأت جوانحي والقلب وجدا * فكيف ألذ أو أسلو أو اهدا
فيا من ليس لي مولى سواه * تراك تركتني في الناس عبدا
ثم كسرت العود وقامت وبكت وانتحبت ، فاتهمها سيدها بمحبة إنسان فاستقصى عن ذلك ، فلم يجد له أثرا فحار سيدها في أمرها ، ولم يجد لها سلوى عن الاكتئاب والهيام وقيام الليل ومناشدة الأشعار ، وطول التذكار ، وتشتت الأفكار ، فسألها عما أصابها ، فأنشدت تقول :
خاطبني الحق من جناني * فكان وعظي على لساني
قربني منه بعد بعد * وخصّني اللّه واصطفاني
أجبت لما دعيت طوعا * ملبيا للذي دعاني
وخفت مما جنيت قدما * فأوقع الحب بالأمان
ولما أعيته الحيل ذهب بها إلى المارستان راجيا أن تشفى مما أصابها ولما دخلت البيمارستان أودعوها في حجرة مغلولة اليدين مقيدة الرجلين ، فلما رأت ذلك بكت بكاء مرا وأنشدت تقول :
هامش
( 142 ) - صفة الصفوة 4 / 332 .