إذا دعت بالعود في مشهد * وعاونت يمنى يديها الشمال
غنت غناء يستفز الفتى * حذقا وزان الحذق منها الدلال
وتذاكروا بخل مزيد أبي إسحاق في مجلسها يوما وكان من جملتهم ابن مصعب فقالت : أنا آخذ منه درهما فقال مولاها : إن فعلت جعلتك حرة ، وكسوتك ثوب وشي ، وأولمت لك يوما ، فقالت : ارفع الغيرة . فقال : إن رفع رجليك لم أقل شيئا فخرج ابن مصعب فرآه في مسجد بالمدينة فقال له : يا أبا إسحاق أما تحب أن ترى بصبص جارية ابن نفيس ؟ فقال : امرأتي طالق إن لم يكن اللّه ساخطا عليّ فيها ، وإن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل .
فقال له : اليوم إذا صليت العصر فوافني ههنا . قال : امرأتي طالق إن برحت من هنا حتى تجيء صلاة العصر . قال : فانصرفت في حوائجي حتى العصر فدخلت المسجد فوجدته فيه ، فأخذته بيده وأتيتهم به ، فأكلوا وشربوا وتساكر القوم وتناوموا فأقبلت بصبص على مزيد فقالت له : يا أبا إسحاق ، كأن نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة :
لقد حثّوا الجمال ليه * ربوا منا فلم ينلوا
فقال : امرأتي طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ . قال :
فغنته ، ثم سكتت ساعة وقالت : يا أبا إسحاق كأن نفسك تشتهي أن تقوم فتجلس إلى جانبي وتقرصني قرصات وأغنيك :
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به * قد كنت عندي تحبّ الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها * غطّى هواك وما ألقى على بصري
فقال : امرأتي طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام ، وما تكسب الأنفس غدا وبأي أرض تموت . فغنته ، ثم قالت : برح الخفاء أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني وأغنيك هزجا :
أنا أبصرت بالليل * غلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أصب * ح مسقيا من الطّلّ
فقال : أنت نبية مرسلة ، فقبلها وغنته ، ثم قالت : يا أبا إسحاق ، أرأيت أسقط من هؤلاء ؟ يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحانا بدرهم ، يا أبا إسحاق هلم درهما أشتري به ريحانا . فوثب وصاح : واحرباه أي زانية أخطأت