وغضبت عليه بثينة لهجائه أهلها جميعا فقال جميل :
وما صائب من نائل قذفت به * يد وممرّ العقدتين وثيق
له من خوافي النّسر جمّ تطاير * ونصل كنصل الزاعبي فتيق
على نبعة زوراء أما خطامها * فمثن وأما عودها فعتيق
بأوشك قتلا منك يوم رميتني * نوافذ لم تظهر لهن خروق
تفرّق أهلانا بثين فمنهم * فريق أقاموا واستمر فريق
فلو كنت خوّارا لقد باح مضمري * ولكنني صلب القناة عريق
كأن لم يحارب يابثين لو أنه * تكشف غماها وأنت صديق
وبعد ذلك بمدة وقع الصلح بينه وبينها وأخذ منها موعدا للقائه فوجدوه عندها ، فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا قتله خوفا من أن ينشب بينهم وبين قومه حرب بدمه ، وكان قومه أشد بأسا من قوم بثينة ، فأعادوا شكواه إلى السلطان ، فطلبه طلبا شديدا فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة ، ومن شعره وهو في اليمن :
ألمّ خيال من بثينة طارق * على النأي مشتاق إليّ وشائق
سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت * إليّ ودوني الأشعرون وعافق
كأنّ فتيت المسك خالط نشرها * تقلّ به أردافها والمرافق
تقوم إذا قامت به عن فراشها * ويغدو به من حضنها من تعانق
ولم يزل في اليمن إلى أن عزل ذلك الوالي وانتقل أهل بثينة إلى ناحية الشام فرجع إليهم فشكا أكابر الحي إلى أبيه وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله فناشدوه اللّه والرحم وسألوه كف ابنه عن فتاتهم وعن تشبيبه بها وما يفضحهم به بين الناس ، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ثم انصرفوا فدعا به وقال له : يا بني حتى متى أنت أعمى في ضلالك ألا تأنف من أن تتعلق في ذات بعل يخلو بها وأنت عنها بمعزل تغرك بأقوالها وخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها فيكون قولها لك تعليلا وغرورا فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة إن هذا لذل وضيم وما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك ، فأنشدك اللّه إلا كففت وتأملت في أمرك ، فإنك تعلم أن ما قلته حق ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها ، ولكن هذا أمر قد فات واستبدّ به من قدر له وفي النساء عوض . فقال له جميل : الرأي ما رأيت والقول كما قلت ، ولكن هل رأيت قبلي أحدا قدر أن