وأضجعت أم الحسين إلى جانبها وذهبت خادمة ليلى وأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده ، فمضى والصبوح معه وقال : إني رأيت جميلا مع بثينة في فراش واحد : مضجعا إلى جانبها فمضى إلى أخيها وأبيها وأخبرهم الخبر وأخذهما وأتى بهما إلى خباء بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الحسين إلى جانبها نائمة ، فخجل زوجها وسبّ عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها : قبحكما اللّه أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه اللّه ، وقبحكما معه وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح .
وأقام جميل عند بثينة حتى جنّ الليل ، ثم ودعها وانصرف ، وخافت بثينة مما جرى فتحامت منه مدة فقال في ذلك :
أإن هتفت ورقاء ظلت سفاهة * تبكي على جمل لورقاء تهتف
فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقة * صرمت ولكني عن الصرم أضعف
لها في سواد القلب بالحب منعة * هي الموت أو كادت على الموت تشرف
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة * من الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلا اعترتني زفرة واستكانة * وجادلها سجل من الدمع يذرف
وما استطرفت نفسي حديثا لخلة * أسرّ به إلا حديثك أطرف
وهي قصيدة طويلة منها قوله :
ولست بناس أهلها حين أقبلوا * وجالوا علينا بالسيوف وطوّفوا
وقالوا جميل بات في الحي عندها * وقد جردوا أسيافهم ثم وقّفوا
ولما اشتهرت بثينة بحب جميل إياها اعترضه عبيد اللّه بن قطنة أحد بني الأحب ، وهو من رهطها الأقربين فهجاه وبلغ ذلك جميلا فأجابه وتطاولا فغلبه جميل وكف عنه ابن قطنة ، واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب أيضا وإياه عنى جميل بقوله :
إذا الناس هابوا خزية ذهبت بها * أحب المخازي كهلها ووليدها
لعمر عجوز طرّقت بك إنني * عمير بن رمل لابن حرب أقودها
بنفسي فلا تقطع فؤادك ضلة * كذلك حزني وعثها وصعودها
قال : فاستعدوا عليه عامر بن ربعيّ وكان الحاكم على بلاد عذرة ، وقالوا : يهجونا ويغشى بيوتنا ويشبّب بنسائنا . فأباحهم دمه وطلب فهرب ،