والخير أنا أهله وحماته * وله علينا خفقة وجناح
للناس للبسطاء للمستضعفين * على البغاة لنا قنا ورماح
الحق لو فرشوا الدروب بما لهم * لن تنثني عن بذلها الأرواح
حتى يسود ويستقر وتنمحي * من دربه الأوثان والأشباح
يا عابد الأوثان آن لجاحد * أن يستبين الحق فهو صراح
من يوم أن دك النبي بمكة * أوثانهم كلبت بهم أطماح
صنم من الحجر الأصم وآخر * سيماؤه التغرير والاصلاح
ما ذا يميزها فذلك أعجم * وشعار هذا الجهر والافصاح
وكلاهما صنم يغرر عابدا * ما في عبادته هدى وفلاح
الشعب أصبح كالإماء تبيعه * لمزايدين نخاسة ووقاح
عشرين عاما أو تزيد ونيرهم * في عنقنا والمنكرات تباح
ما ذا جنى الوطن الذبيح بعهدهم * فالجوع جوع والجراح جراح
حكموا وما عدلوا وداسوا حقنا * فالأسد تلجم والعرين يباح
يا شعب عامل أننا في دجنة * وبكف كل منكم مفتاح
أنتم ارادتكم أصالة رأيكم * لمصيرنا فيها هدى ورجاح
أن يبذلوا المال الحرام لبيعكم * وشرائكم فلكم طغوا وأباحوا
الشعب اسمى أن يباع ويشترى * وأجل من أن يزدرى ويباح
وقال في رثاء قريب :
مهج مرن على الأسى وعلى الصدا * قم عز فاطمة وعز محمدا
قم عز هاشم والحسين وزينبا * وعلي بالحسن الزكي وبالندى
ذكر الفواطم يوم غبت ، بكربلا * جثمان جدك بالعراء موسدا
فبكين واستعبرن هذي سنة * قد شاءها التاريخ أن تتجددا
يقضي الحسين بكل عصر ظامئا * ويزيد يحكم في الرقاب مسودا
ولكل عصر ثورة وضحية * ومجازر فيها حسين استشهدا
عماه يا قمر الندي وأنسه * قد أظلم النادي وبدرك ما بدا
ذاك الحديث العذب تهزأ بالطلي * كاساته أو بالهزار مغردا
وجدي عليك كفيض علمك زاخر * هتان دمعي فيك ما سمع الندا
خل الدموع وشأنها كم دمعة * حلت أسار القلب مما قيدا
جمعت فأوعت فالبلاغة نفحة * من فيضها والشعر منها أرفدا
لا تنكروا في الدمع غصة شاعر * كم شاعر سكب الدموع تمردا
لهفي على الخلق الوديع وحكمة * الشاعرية من معازفها صدى
وشمائل هي والربيع توائم * سكر الشذا من عرفها وندى الندى
هي في شفاهك حكمة علوية * وعلى لسانك رحمة تسع الهدى
الشعر بعض أقاحها وورودها * والعلم ينهل من علاها الموردا
صور من المثل العلية كنتها * بخل الزمان بمن بهن تفردا
ومضت حياتك كالشعاع نقاوة * وكخفقة الشفق الندي توردا
وكبسمة العذراء طهرا نيرا * وكشدوة الحادي المجلجل إذ شدا
نسج العفاف برودها فبدت لنا * بيضاء ما مس الخبيث بها الردا
وسما الآباء بها إلى كنف السما * فعلا النجوم بها وجاز الفرقدا
ورضيت بالحرمان لم تسلك إلى * سبل الدنية غاية أو مقصدا
عرش الكرامة ما رضيت بغيره * عرشا فكنت به المليك السيدا
قل للأولي باعوا بأرخص ما اقتنوا * ثوب الكرامة واستكانوا للعدي
ما كان أحوجهم وهم في غيهم * لشعاع روحك ناقدا ومفندا
عماه طال بنا السرى في مهمه * ثمل الضلال به فجن وعربدا
دنيا على الخب اللئيم رحيبة * وعلى الكريم السمح ضاق بها المدى
الري والشبع الحرام لمتخم * ولمهجة العافي المجاعة والصدا
عماه لو ملك المحب لك الفدا * هان الفداء له وعز المفتدي
وقال في رثاء صديق :
جراحك في صدري ونزفك من دمي * ومأتمك الغالي المضمخ ماتمي
فبيتك بيتي والمرارة والأسى * وشائج من قربي أواصر من دم
وقلبك قلبي قد تفجر بالأسى * فينزف من عرقي وينزف من فمي
تلوذ بي الآلام هو جاء شرعا * كما لاذ أعصار الشتاء ببرعم
وتنهشني الأفعى فابسم ضاحكا * فقد خالط السم الجنوني مبسمي
وطفلك طفلي يصعق اليتم قلبه * وبيتك بيتي قد أحيل لميتم
سبقت إلى دف ء التراب بقيتي * فيا طول شوقي للحاق المحتم
ويا طول ما قد عذب القلب برده * فعاد إلى ظل الصواعق يحتمي
وأنكر في عهر الحياة عقوقه * فعاد باحضان المنية يرتمي
لدفء الردى أحلى مذاقا ومشربا * على النفس من لؤم الحياة المصمم
تضاءلت الدنيا بعيني فوصلها * جفاء وأعراس التفاهة ماتمي
بكيت على أمسي المضمخ بالشذا * ولاقيت يومي عاصب العين كالعمى
وسد الأسى دربي فلا الشوق حافز * بنابيه كي يغري الحياة بمنعم
ولا الورد مرموق البلاهة والشذا * ليعصمني من وهج اثم محرم
مصيري مصير الجيل لست بمفرد * ولا أنا باللحن النشاز بمغرم
أفقنا على دنيا الضياع فصادق * وآخر ملجوم الصراحة والفم
أرى وطني نهب التفاهة والخنا * وأسجن في جسمي وألجم في فمي
أثور كما الرقطاء تلدغ نفسها * فامضغ أحشائي وألعق من دمي
وأجرع من كاسي سموم بلاهتي * وغيب خيالاتي وسخف توهمي
وأنكا جرحي كالحبيب أصونه * وأخشى عليه من ضلالات بلسم
جراحي جراح الكون ما جف ضرعها * ومأساتي الكبرى كمأساة آدم
يضيق بجنات الخلود خياله * ويقصر حتى الاثم عن حلمه الظمي
أيؤود ورد الشعر حصد سنابل * ومنجلها سيف القضاء المثلم
أترثي صباحا ثم ترثي عشية * كأنك نسر من نسور محرم
فهذا علي في دماء مكرم * وهذا حسين في بلاغة مكرم
وإني وإياك الشهيدان بيننا * سحابة يوم أو غلالة ماتم
ألح عليك الظل حتى تبعته * وما زال ظلي ممعنا بترسم
سأهرب منه للحياة أصده * وأمعن في تقليصه وتجسمي
سأهرب من ظلي من الياس لاجئا * إلى الحب في نعمي ذراعيه أرتمي
لقد أبصرت عيناي نفسي مذابة * دماء ويأسا يمزج الياس بالدم
فما راعني أني أذوب وانتهي * لو أن جراحي سوف تنزف من دمي
وأؤمن بالانسان قدرة خالق * وتجسيد أبداع ورمز تقدم
وثورة مسحوق وعزة ثائر * وسحقة متخوم باقدام معدم
إليك شهيد الشعر بسمة واثق * من الغد ما عبس بدون تبسم
سنحيا سنحيا في عميق قبورنا * كنازح تبر من غياهب منجم
وإن لنا الاشعاع والنور والهدى * وإن لهم منهم غياهب معدم
وقال :
هامش
( 1 ) يشير بذلك إلى أن المرثي بهذه القصيدة كان قد رثى صديقا له صباحا ، ثم توفي مساء .