أيصم سمعك يا سماء * أيبح صوت الأبرياء
أنظل نصرخ يا عدالة * أدركينا بالدواء
يوما بترياق العراق * وجود أفيون الغباء
وحشيشة القدر الملطخ * بالنفاق وبالرياء
أم بالبيان العذب تمخط * من أنوف الأولياء
أم بالوعود المترفات * تزيد اسهال الغلاء
قد كان لي شرف الجلوس * على أريكات القضاء
لم يغرني فضفاض ثوبي * أو منصات العلاء
قد كان قلبي خلف قضبان * الحديد وفي العراء
لم يقفل القانون أبواب * السماحة والعطاء
لم يمح شوك متونه * وشروحه روض السخاء
وطرقت باب المجدلية * في دروب أبي الفداء
وصرخت في وجه * الزناة الأتقياء الأدعياء
ملأوا فناء البيت والتحفوا * تجاعيد السماء
الراجمين المجرمين * وفي مسوح الأنبياء
وصلبت . . . بل صلبوا * هم ونفاقهم ولي العزاء
المجدلية يا يسوع بلا نصير * ولا ظهير ولا غطاء
فالبيت قصر الأثريا * والقدس وكر الأدعياء
وروائح البترول تزكم * أنف كل الأنبياء
تطغى على نتن الجريمة * في دهاليز الثراء
والحاكمون الداعرون * تعودوا شرف البغاء
ألفوا أريكات النفاق * على متاهات الرياء
يا شعب جرحك في * يديك وبين كفيك الدواء
شلت يمينك يا قضاء * غدارة بالأبرياء
مسعورة ظمأى لمص * الطاهرات من الدماء
يا هادرا دمع الثكالى * في خضم من عفاء
ومباعد الأم الحزينة * عن رياحين العزاء
ومجلجلا بوشاحه البشع الصبيحة والمساء
ومدمرا بيد الجريمة كل حصن للرجاء
يا أم عمرك كله وقف * على مجد العطاء
سيان عندك ان سهرت * على ابتسام أو بكاء
يا أم يا قمم العطاء * يا أم يا أوج الفداء
يا طفلها قد كنت * شمعتها بوحدتها تضاء
ما زلت طفلا في * ذراعيها تهدهد بالحداء
قد كنت طفلا بالبراءة * والطهارة والصفاء
ونزعت منا مثلما نزع * الشهاب من السماء
لا للبزوغ ولا الرجوع * ولا الطموح ولا الضياء
بل للحريق وللضياع * وللدمار وللفناء
لم تلق من دنياك الا * ما يلاقي الأشقياء
عنت وحرمان وعدوان * على حق البقاء
وتنازعتك مباغض * بلهاء لعبة أدعياء
وذكاء داء يحذق * السرطان تسخير الذكاء
فطغى ذكاء الداء * واستشرى على عمق الدواء
وقال في انقلاب حسني الزعيم :
أدعوك ما ذا ؟ بالرئيس * أم الزعيم المشير ؟
شبك من الألقاب خفت * على اللسان من العثور
حملتها مبهوظ ظهر * غير مبهوظ الضمير
اني رحمتك من عظيم * اللفظ في المعنى الصغير
ورحمت نفسي ان أهين * الشعر في نخل القشور
وجزعت ان قصرت عن * شاو الفرزدق أو جرير
ازأر بنا . . . شتان بين * الهر والأسد الهصور
ازأر فما يخفى على * السمع المواء من الزئير
عربد على الحرية الغراء * تشرق في الصدور
ويلوح زاهر وجهها * ويلف آفاقا بنور
قل : ما انقلابك ؟ اي * أمر جد فيه من الأمور
الملح ملحك لم يزل تربا * وخبزك من شعير
أجلدت فرانين لأشلت * يد البطل المغير
وشنقت للإرهاب محكومين * من دهر دهير ( 2 )
ان يجدروا ان يشنقوا * فلأنت أجدر من جدير
أموزع الأرض الفسيحة * لم توزع غير زور
هل أحرز الفلاح الا ارض * عقلك ارض بور
أو شم جيشك منك * غير نفخ من غرور
أو نام عمال وما أقبلت * تفرش من حرير
الا على شوك البطالة * والتدهور في الأجور ؟
زعموك سيد نهضة * فكشفت عن عبد أجير
عبد الدلار يتله من * أنفه تل البعير
ادلار لم يبذلك من بذلوك * عن كرم وخير
عوض خسيس أنت مبذول * عن العوض الخطير
أهجوك لا مدح السترليني * فقبحا للنظير
وأخو الفرنك إذا كثرت * فما كثيرك بالكثير
تالله لو طبعوك من ورق * ومن ذهب نضير
ما كنت الا من دم * المحروم أو دمع الفقير
ما كنت الا ظفر الاستعمار * ينشب في النحور
أو في عروق الأرض من * وطن وجيع مستجير
ظما إلى البترول ينفجر * انفجار دم غزير
ويعبه المستعمرون * وجوفهم جوف البحور
وبقلبهم ظما الذي يشوى * على حر الهجير
أحياة حبس في سجونك * أم نزول في القبور ؟
قد كان قلبك من طغوا * هلا سالت عن المصير ؟
جدوا وأسرع سيرهم * لكن إلى شوط قصير
الشعب مد لهم إلى يوم * عبوس قمطرير
حتى تناولهم بكف * تلك كف من قدير
ذهبوا كاتفه ما يولي القش في الريح الدبور
وأنام سافل ذكرهم وحلا على نعل العصور
هامش
( 1 ) الزعيم : اسم أسرته ولقبه العسكري ، ثم رفع نفسه إلى رتبة مشير .
( 2 ) في محاولة حسني الزعيم ادعاء الاصلاح ، أمر بجلد بعض أصحاب المخابز . وكان بعض
المحكومين بالاعدام قبل عهده لم ينفذ فيهم الحكم فأمر بتنفيذ الاعدام ارهابا .