وموطنك الخير إني سري * وأهلوه أهلوك أن ينتموا
ولم يترك الخير في جانحيك * مكانا يراود أو يقحم
وكم راودت نفسك المغريات * فجن الآباء وثار الدم
وطافت تهاويل من حيدر * تهاويل من عصمة تعصم
وقهر النفوس سبيل الجهاد * ومن ينصر الله لا يهزم
وزان الآباء حياة الكفاف * فلا الجاه يغري ولا الدرهم
وجابهت بالصبر شح الحياة * فكافأك الأرحم الأكرم
فغبرت في موكب السابقين * وخلفت في الدرب صرعاهم
فأرثك فينا كإرث النبي * يباهي به الجاحد المسلم
كتابك هذا الخدين الوفي * وبتارك الفاتك المعلم
وأنا بميراثك الأغنياء * إذا أملق الناس أو اعدموا
وقال في رثاء والدته :
عقوقي : يا أماه مثقل أوزاري * وملزمني صمتي وملبسني عاري
عقوقي لا أف الجحود ولا القلى * فلم أثلم القربى ولم أغضب الباري
وكان رضاك السمح انسا لوحشتي * وغوثا لتحناني وزادا لأسفاري
خلعت علي الحب آلاء رحمة * سماحة محروم وآيات ايثار
عقوقي : أن لا انسج الحزن والأسى * مطارف تزهو في شآبيب أشعاري
عقوقي : أن لا أجعل الدمع نغمة * ترددها الدنيا سلافة أوتار
عقوقي : أن العي شل قريحتي * فشد على نابي ولعثم قيثاري
وحول آلامي ركاما صديئة * وقد كن في الجلي لوافح اعصار
أقبرك أم قلبي برودا ووحشة * لأنت على الرمسين دفقة أنوار
لقد آثرت دنيا التراب بدفئها * وخلفت الشلو الطعين بلا نار
جراحك في صدري وآهك في فمي * ومحنتك الجلي مغاليق اسراري
وشائجنا يا أم شتى وإننا * قريبان في النجوى بعيدان في الدار
بكيتك يا أمي بعبرة ثاكل * فغطى على الأشعار مدمعي الجاري
ويخسا شعري فيك إن حط قدره * فلم يك ذوبا للدموع بمدرار
على حافة التسعين إشراق مبسم * ودقة ادراك وروعة اصرار
وبعد عن الدنيا وقربى لأهلها * وشوق إلى الأخرى بايمان أنصار
إذا ذكر الايمان كنت منارة * يفئ لظليها المجوع والعاري
ليهنك يا أم البنين بأننا * كما غرست كفاك نبتة أطهار
نجل عن الزلفى ونسمو عن الخنا * ونشمخ للعاتين شمخة جبار
ونصفح صفح القادرين سماحة * ونجزي عن الحسنى جزاء سنمار
ونغضي على عار اللئام ترفعا * فما طهر الأرجاس رفعة أقمار
تراث أبينا لم يزل مترفا بنا * يطل على العلياء اطلال بتار
سيوف علي فيه بارقة اللظى * ترد على الباغين مصرع عمار
وصوت أبي ذر يجلجل صارخا * يثير على الطغيان موجات اعصار
يقول أيرضى الجائعون بجوعهم * ولا ينهل المتخوم من سيف ثوار
وصوت بلال بالشهادة عابقا * يطوف على الدنيا بأنفاس معطار
وحجر عدي وهو يلفظ نفسه * ويستبق الثكل المرير باصرار
هم الشيعة الأبرار لا زهو خانع * ولاعته مغرور ولا لغو ثرثار
سماحك يا أماه أن ند عن فمي * سوى اسمك الحلو النزيه عن العار
فان حديثي عن شريكك سيدي * ومولاي في الدنيا وحصتي من النار
هو المحسن السمح الكريم على العدى * فكيف على القربى فكيف على الجار
وقال في رثاء شقيقته :
ما ألأم العيش يجفونا ونهواه * على عواتقنا تلقي خطاياه
سود لذائذه حمر نواجذه * قريبة كأمانينا مناياه
تضاءلت قيم الدنيا بصفحته * فليس يكتب إلا ما تخطاه
وليس يحكي سوى ظل الصدى وإذا * يمنن فالتاريخ مأواه
شربت عمري الذي ضن الزمان به * بما يجود به أو ما تحاماه
عمران : ذا عمر ناسي بصحبته * وذلك المتمني ما فقدناه
راض الفلاسف بطن الغيب عن سفه * فقهقه الغيب يستعدي خفاياه
وقال ما أتفه الإنسان يسخر بي * ومن ورائي عدل الموت والله
ومن ورائي قبر موحش وصدى * يكاد يملأ بالأشباح نعماه
الغيب نحن إماء في مجاهله * والغيب أرحم نخاس عرفناه
لولا مجاهله الغناء ما صبرت * على الأسى وعلى التبريح دنياه
أختاه يا بضعة من محسن غربت * ما أعذب الجرس لما قلت أختاه
ذكرت زينب إذ نادى الحسين وفي * أذن الزمان نشيج من رزاياه
ذكرت زينب تأساء وتعزية * وعمتي زينب والسبط جداه
نحن الذين نذرنا للفدى دمنا * وفي الأضاحي لم يبخل وريداه
منا علي إمام الحق من دمه * ورد الفلاح ، ومنا الصيد ابناه
وفي الطفوف لنا جود على ظما * وغاية الجود ما يحبوه ظمأه
وإن ندل فبالتأريخ نملؤه * فخرا ، وتضحية كنا ملأناه
أختاه يا دمعة حرى تضن بها * عين الزمان فما يبتل خداه
طويت عمرك بالآلام صابرة * ورحمة الموت جور في ضحاياه
لا بورك الموت في مزعوم رحمته * وبورك الألم الحاني ونجواه
أبا علي وفيما بيننا رحم * من الوداد رسيخات زواياه
قرابة الدم ما أوهى وشائجها * إن لم يهبها الوداد السمح معناه
بيني وبينك ود لا انفصام له * موطد في حنايا الصدر مبناه
ما صفق القلب في نعمى وفي شجن * إذا تلكأ عن يسراه يمناه
وقال في رثاء قريب :
أبكل يوم طعنة وجراح * وبكل بيت للردى أفراح
بالأمس شيعت المروءة محسنا * ولها على الحسن الزكي نواح
واليوم للمهدي العلي ماثم * ثكل الحمى فيها وضج الساح
تلك البقية من ذؤابة هاشم * أدنى سجاياها ندى وسماح
تلك العمائم كالربيع نضارة * تخضر منها أربع وبطاح
عطر النبوة في شذا طياتها * ودم الحسين عبيرها الفواح
ومن الوصي وحاليات بيانه * وسنا شمائله لهن وشاح
الخير معدنها ورائد خطوها * ومدير دفتها هدى وصلاح
ما حاد عن سنن الهدى قدم لها * كلا ولا مست حراما راح
الخيرون المصلحون هم إذا * عز الكلام وأملق الاصلاح
والواهبون النيرون هم إذا * شح الزمان وابطا الاصباح
كانوا مصابيح الدجى في أمة * طالت لياليها وغاب صباح
في الدين والدنيا لنا أمثولة * تحذى ومنا في الدجى مصباح
ما غاب عن ليل الورى قمر لنا * إلا ليطلع مشرق وضاح
تأبى المروءة مذ رضعنا ثديها * إلا لنا أن يستلين جماح
هامش
( 1 ) ما فقدناه : الذي فقدناه .