هو القائل : عجبا لها أيذوق طعم وصالها ، قال : فقلت له : إن هذا الرجل ليس عندنا بهذه الحالة التي وصفتم إنما هو عندنا شاعر فقط ، فقال له : إنكم لم تنصفوه ، وإنه لحقيق بما وصفناه به ، قال السلطان : وأخبرنا شيخنا الأبلي المذكور أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد كان قد جعل القصيدة المذكورة بخزانة كانت له تعلو موضع جلوسه للمطالعة ، وكان يخرجها من تلك الخزانة ، ويكثر تأملها والنظر فيها ، ولقد تعرفت أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة تقي الدين المذكور لم يقرأها حتى قام إجلالا لها . انتهى :
وكان ابن خميس رحمه اللّه تعالى بعد مفارقة بلده تلمسان سقى اللّه أرجاءها أنواء نيسان ، كثيرا ما يتشوق لمشاهدها ويتأوه من تذكره لمعاهدها ، وينشد القصائد الطنانة في ذلك سالكا من الحنين إليها المسالك ، فمن ذلك قوله :
تلمسان لو أنّ الزمان بها يسخو * منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ
وداري بها الأولى التي حيل دونها * مثار الأسى لو أمكن الحنق اللّبخ
وعهدي بها والعمر في عنفوانه * وماء شبابي لا أجين ولا مطخ
قرارة تهيام ومغنى صبابة * ومعهد أنس لا يلذّ به لطخ
إذ الدهر مثنيّ العنان منهنه * ولا ردع يثني من عنان ولا ردخ
ليالي لا أصغي إلى عذل عاذل * كأنّ وقوع العذل في أذني صمخ
معاهد أنس عطّلت فكأنّها * ظواهر ألفاظ تعمّدها النسخ
وأربع ألاف عفا بعض آيها * كما كان يعرو بعض ألواحنا اللطخ
فمن يك سكرانا من الوجد مرة * فإنّي منه طول دهري لملتخ
ومن يقتدح زندا لموقد جذوة * فزند اشتياقي لا عفار ولا مرخ
أأنسى وقوفي لا هيا في عراصها * ولا شاغل إلا التودع والسبخ
وإلّا اختيالي ماشيا في سماطها * رخيّا كما يمشي بطرّته الرّخ
وإلّا فعدوي مثل ما ينفر الطّلا * وليدا وحجلي مثل ما ينهض الفرخ