وقد شهد له بكمال الزهد الإمام الشافعي « 1 » لما قيل له : ما نفر الناس عن عليّ إلا أنه كان لا يبالي بأحد ، فقال الشافعي : كان عظيما في الزهد والزاهد لا يبالي بأحد .
وكان بذات اللّه عليما وعرفان اللّه في صدره عظيما ، وقد قيل : التصوف البروز من الاحتجاب إلى دفع الحجاب « 2 » .
ومما حفظ من رشيق عباراته ورقيق إشاراته : كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل فإنه لن يقل عمل مع التقوى .
وقال : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك بل أن يكثر علمك ويعظم حلمك .
وقال : احفظوا عني لا يرجو عبد إلا ربّه ؛ ولا يخاف إلا ذنبه ، ولا يستحي جاهل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : اللّه أعلم . وقال : الدنيا جيفة فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب .
قال العارف الشعراني - قدس سره - قلت : والمراد بالدنيا ما زاد على الحاجة الشرعية بخلاف ما دعت الضرورة إليه ، وذلك أن فضول الدنيا شهوات وأهل الشهوات كثير ، ولذلك ما رؤي زاهد قط في محل مزاحمة على الدنيا كما هو مشاهد ، وإنما سمي طالب الفضول كلبا للدنيا لتعلق قلبه بها ، لأن الكلب مأخوذ من التكليب ، وكل من عسر عليه فراق شهوة فهو كلبها فافهم ؛ فما توسع من توسع في مأكل ولا ملبس إلا لقلة ورعه ، والشارع لم يأمر بالتوسع في الشهوات واللّه أعلم انتهى .
هامش
- ولد بالكوفة ، وسكن مكة ، وتوفي فيها . كان حافظا ثقة ، واسع العلم ، كبير القدر . « الأعلام » ( 3 / 105 ) .
( 1 ) محمد بن إدريس بن العباس ( 150 - 204 ه ) الهاشمي القرشي المطلبي ، أحد الأئمة الأربعة ، ولد في غزة ، ونشأ في مكة ، وزار بغداد مرتين ، وقصد مصر سنة ( 199 ه ) فمات فيها . وقبره معروف في القاهرة . « الأعلام » ( 6 / 26 ) .
( 2 ) قوله ( دفع الحجاب ) : أي لا يحجبك عن اللّه وجود شيء معه ، وإنما يحجبك توهم موجود معه . كما في الحكم العطائية . ( ع ) .