وكان لا يفارق الجد ، ولا يجاوز الحد . وقد قيل : التصوف : الجدّ في السلوك ، إلى ملك الملوك .
وكان يقدم على المضارّ لما يؤمل من المسار . وقد قيل : التصوف :
السكون إلى اللهيب ، في الحنين إلى الحبيب .
وكان يقدم الحقير معتاضا للخطير .
وقد قيل : التصوف : وقف الهمم على مولي النعم .
أتى المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم بصدقته فأخفاها ، وقال : هذه صدقتي وللّه عندي معاد ، وجاء عمر رضي اللّه عنه بصدقته فأفشاها ، وقال : لي عند اللّه معاد ، فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام : « يا عمر وترت قوسك بغير وتر ، ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما » « 1 » .
وكان في المصافاة صافيا ، وفي الموافاة وافيا . وقد قيل : التصوف :
استنفاد الطوق في معاناة الشوق ، وترجئة الأمور على تصفية الصدور .
وكان رضي اللّه عنه أحزم الناس رأيا ، وأعلمهم بتعبير الرؤيا ، وأكمل الصحابة عقلا ، وأكثرهم صوابا قولا وفعلا ، وكفاه شرفا وفضلا قول إمام المرسلين : « إنّ اللّه يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر الصديق » « 2 » .
وكان أعلم الناس باللّه وأخوفهم له ، حتى كان يخرج من جوفه ريح الكبد المشوية ، وكان يحتاط في مأكله ومشربه أشدّ احتياط ، وإذا أكل أو شرب ما فيه شبهة ثم علمه استقاء بإفراط ، شرب لبنا من كسب عبده ، ثم سأله فقال : تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصبعه في فيه وتقايأ حتى ظنّ أنّ نفسه ستخرج ، ثم قال :
اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في « حلية الأولياء » ( 1 / 32 ) وإسناده ضعيف .
( 2 ) تقدم هذا الحديث وتخريجه : حكم عليه ابن الجوزي بالوضع ، وأقره ابن عراق في « تنزيه الشريعة » ( 1 / 373 ) .
( 3 ) حديث ( شرب لبنا ثم استقاءه ) : أخرجه الطبراني في « الكبير » ، وأبو نعيم في « الحلية » -