بالحقّ عن الالتفات للخلق ، حتى جمع بين الجمع والفرق .
وقد قيل : التصوف : الاعتصام بالحقائق عند تباين الطرائق ، وقيل : أحوال قاهرة ، وأخلاق طاهرة ، وحقائق ظاهرة .
وأكرم بسماعه مناجاة جبريل لرسول اللّه صلّى اللّه عليهما وسلم ولكن لم يره ، وإرسال السلام من الحقّ تعالى له مع جبريل عليه السلام ، وقول اللّه تعالى له على لسان جبريل : ( هل أنت راض عني بفقرك ) « 1 » واختصاصه باسم الصحبة في القرآن المجيد والمعية الخاصة .
وكان رضي اللّه عنه يتوصل بعد الوفا إلى أربع مواقف الصفا « 2 » .
وقد قيل : التصوف : تفرّد العبد بالواحد الصمد الفرد .
وكان من أخلاقه الكاملة وأحواله الشريفة الفاضلة : العزوف عن العاجلة ، للأزوف « 3 » من الآجلة .
وقد قيل : التصوف : تطليق الدنيا بتاتا ، والإعراض عن منالها ثباتا .
استسقى يوما فأتي بإناء فيه ماء وعسل فبكى وأبكى من حوله ، فسكت وسكتوا ، ثم عاد فبكى حتى علا النحيب ، وتواجد البعيد والقريب ، ثم أفاق من غشيته ، ومسح وجهه ببردته ، فقالوا له : ما هاجك على ذلك ؟ حتى ظنّ كلّ منا أنّه هالك ، قال : كنت مع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم فجعل يدفع عنه شيئا ، ويقول : إليك عني ! إليك عني ! ولم أر معه أحدا ، فسألته فقال : هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها فزجرتها فتنحت ، وقالت : أما واللّه لأن انفلت مني لا ينفلت مني من بعدك ، فخشيت أن تكون لحقتني ، فذلك الذي أبكاني .
هامش
( 1 ) حديث « هل أنت راض » : أورده ابن الجوزي في « صفة الصفوة » ( 1 / 250 ) .
( 2 ) قوله ( أربع مواقف الصفا ) : لعلّ مراده بأربع مواقف الصفا هي حضرات الأسماء الأربعة :
الأول والآخر والظاهر والباطن . ( ع ) .
وفي هامش المخطوطة : هي حضرات التعين الأول كما في الاصطلاحات ( منه ) .
( 3 ) أزف : دنا . « مختار » ( 15 ) .