سيدنا الحسن البصري رضي اللّه عنه
سيد التابعين الكبار ، وإمام العبّاد والأخيار ، أتقن كل فن من علم وعباده ، وبلغ أعلى مبلغ في الورع والزهاده ، فصلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة ، وكان أكثر مشيه حافيا ، ومع ذلك له هيبة عظيمة ، وكان أشبه الناس سريرة بعلانية ، وقولا بفعل ، إن أمر بأمر كان أول عامل به ، أو نهى عن شيء كان أترك الناس له ، وكان كثير البكاء والحزن ، ما رآه أحد إلّا ظنّ أنّه حديث عهد بمصيبة .
قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه : كان أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ، وأقربهم هديا من الصحابة ، اتفق العلماء في حقّه على ذلك .
وقال الجاحظ : يستثنى من كل غاية ، فيقال : فلان أزهد الناس إلا الحسن ، وأفصحهم إلا الحسن .
ونظر إليه راهبان فقال أحدهما لصاحبه : مل بنا إلى هذا الذي سمته سمت المسيح فعدلا إليه فألفياه مفترشا لذقنه ظاهر كفه ، وهو يقول : يا عجبا لقوم أمروا بالزاد وأذنوا بالرحيل ! ما الذي ينتظرون ؟ .
وقال : يحق لمن علم أنّ الموت مورده ، والساعة موعده ، والقيامة مشهده ، أن يطول حزنه .
وقال : لا يؤمن أحد بهذا القرآن إلا حزن وذبل .
وقال : أدركت سبعين بدريا لباسهم الصوف ، لو رأيتموهم قلتم : مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق « 1 » ، ولو رأوا شراركم قالوا :
ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب .
هامش
( 1 ) من خلاق : من نصيب . « مختار » ( 187 ) .