أفكر في سبب ذلك ، فغلبتني عيناي فنمت ، فرأيت ذلك الفقير كأنّه على خوان ممدود ، وقالوا لي : كل لحمه فإنك قد اغتبته ، فكشف لي عن الحال ، فقلت :
إني ما اغتبته ، وإنما قلت شيئا في نفسي ، فقالوا : هذه غيبة ، وإنّا لا نرضى منك بهذا ، اذهب فاستحلّ منه ، فلمّا أصبحت قصدت ذلك الموضع مرارا حتى رأيته يلتقط من جانب النهر أوراقا من البقل الذي يسقط ، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام ، وقال لي : يا أبا القاسم ! تعود ؟ فقلت : لا أعود : فقال : غفر اللّه لنا ولك .
وقال : كان السري يقول لي : تكلم على الناس . وكنت أجد في قلبي حشمة من الكلام على النّاس ، لأني كنت أتهم نفسي في استحقاقي لذلك ، فرأيت ليلة جمعة في منامي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال لي : تكلم على الناس ، فانتبهت وأتيت السري قبل أن أصبح فدققت عليه الباب ، فقال لي : أنت لم تصدقنا حتى رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمرك بالكلام ، فلمّا كان النهار قعدت في الجامع وانتشر في الناس أنّ الجنيد جلس يتكلم ، فكان أول مجلس أن وقف عليّ غلام نصراني متنكرا ، وقال : أيها الشيخ ! ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » ؟ « 1 » فأطرقت ثم رفعت رأسي ، وقلت له : معناه أنّك تسلم فقد جاء وقت إسلامك . فأسلم الغلام .
وقال الجريري : قدمت من مكة فبدأت بالجنيد لئلا يتعنى « 2 » إليّ ، فسلمت عليه ثم أتيت إلى المنزل ، فلمّا صليت الصبح إذا به خلفي في الصف ، فقلت له : إنّما جئتك في الأمس لئلا تتعنى ، فقال : يا أبا محمد ! ذاك فضلك ، وهذا حقك .
هامش
( 1 ) حديث « اتقوا فراسة » : أخرجه الترمذي في السنن برقم ( 3125 ) ، والبخاري في التاريخ ( 7 / 354 ) ، وابن جرير في التفسير ( 14 / 31 ، 32 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 / 281 ) ، والعقيلي في الضعفاء الكبير ( 4 / 129 ) ، وأبو الشيخ في الأمثال ( ص 78 ) ، وغيرهم . وله طرق أخرى تصحح الحديث .
( 2 ) يتعنى : يتعب نفسه . « مختار الصحاح » ( عني ) .