وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد ، ولما حجّ الرشيد سعي به إليه ، وقيل له : إنّ الأموال تحمل إليه من كل جانب حتى اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار ، فقال له الرشيد حين رآه جالسا عند الكعبة : أنت الذي يبايعك الناس سرّا ؟ قال :
أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم .
وسأله الرشيد : كيف تقولون نحن أبناء المصطفى ، وأنتم أبناء عليّ ، فقرأ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ
إلى أن قال
وَعِيسى
[ الأنعام : 84 ] وليس له أب .
ومن كلامه : إذا صحبت رجلا وكان موافقا لك ، ثم غاب عنك فلقيته فاضطرب قلبك عليه فارجع إلى نفسك فانظر ، فإن كنت اعوججت فتب ، وإن كنت مستقيما فاعلم أنه ترك الطريق ، وقف عند ذلك ولا تقطع منه ، حتى يستبين لك إن شاء اللّه تعالى .
ومن بديع كراماته ما حكاه ابن الجوزي والرامهرمزي « 1 » عن شقيق « 2 » البلخي : أنّه خرج حاجّا فرآه بالقادسية منفردا عن الناس ، فقال في نفسه : هذا فتى من الصوفية يريد أن يكون كلّا على الناس لأوبخنّه فمضى إليه ، فقال :
يا شقيق
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
[ الحجرات : 12 ] ، فأراد أن يعانقه فغاب عن عينه ، ثم رآه بعد على بئر فسقطت ركوته فيها فدعا فطفّ الماء حتى أخذها فتوضّأ وصلّى ، ثم مال إلى كثيب من الرمل فطرح منه فيها وشرب ، فقلت له : أطعمني مما رزقك اللّه ، فقال : يا شقيق ! لم تزل أنعم اللّه علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنك بربك ، فناولنيها فشربت ، فإذا هو سويق
هامش
( 1 ) الحسن بن عبد الرحمن بن خلّاد ( 000 - نحو 360 ه ) الرامهرمزي الفارسي : محدث العجم في زمانه . من أدباء القضاة . أول سماعه بفارس سنة ( 290 ه ) وله شعر . « الأعلام » ( 2 / 194 ) .
( 2 ) شقيق بن إبراهيم بن علي ( 000 - 194 ه ) الأزدي : زاهد صوفي ، من مشاهير المشايخ في خراسان . كان من كبار المجاهدين . استشهد في غزوة كولان ( بما وراء النهر ) . « الأعلام » ( 3 / 171 )